للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة/ بيان

عبد الرضا المادح

 

 

في ستينات القرن الماضي وفي احدى المدن الجنوبية الصغيرة ذات الطابع الفلاحي، والتي تميزت بالعلاقات الحميمة بين الناس والمعرفة الدقيقة لاحوال بعضهم، حيث كانت المقاهي الشعبية ملاذهم اليومي لقتل اوقات الفراغ وتبادل الاخبار وعقد صفقات العمل والتجارة بل حتى التهيأة لزيجات جديدة، أما الحوارات السياسية والاخبار الخاصة فكانت تسري بينهم بحذر شديد بعيداً عن عيون المخبرين.

جلس على نفس المقعد المفضل له، حيث يستطيع رؤية زوايا المقهى جميعاً فلا تفلت من رقابته اية حركة، يعرف جميع الاشخاص واسمائهم وميولهم السياسية حد الملل من تكرارها يومياً في تقاريره الامنية!

صوت المذياع القديم ذو الصندوق الخشبي يصدح بصوت المطربة زهور حسين:

ــ سوده شلهـّاني يايمه... سوده شلهـّاني...

  سودة شلهاني ياحبيبة... سوده شلهـّاني...

مارحت ويه هواي... سودة شلهاني...

  ..........................      ..................

لاحظ أن اثنين يجلسان في زاوية بعيدة مقربان رأسيهما من بعض ويتحدثان بصوت غير مسموع، التقـت عيناه بعينيهما، رفع احدهم يده قائلاً:

ــ مسّـاك ألله بالخير أبو جاسم.

رَدَّ بشيء من التعالي وعدم الارتياح وهو يحرك ملعقة الشاي:

ــ مَسـّاك ألله بالخير.

أخذ رشفة من الشاي مبعداً نظره عن الشخصين، محاولاً ترك انطباع بأنه ليس معنياً بهما، ثم عدّل قليلاً من كوفيته بعد أن مسح العرق عن جبينه بطرفها، نادى على عامل المقهى بأن يجلب له قدح ماء بارد، إنتبه بأن أحد الشخصين أختفى، أما الثاني فبادره بالسؤال بوجه باسم:

 

ــ كيف الصحة والاحوال أبو جاسم؟

أجاب بأقتضاب محاولاً التهرب من الحديث معه:

ــ الحمد لله .

ـ إنشاء ألله العائلة والأولاد بخير ؟

ــ الحمد لله.

أكمل شرب الشاي بعجالة وقام من مكانه، فقال له الشخص:

ــ أبو جاسم شايك على حسابي.

ــ لا.. لا.. شكراً.

ــ بحياة الأولاد على حسابي.

ــ ممنون إلك... أودعناكم.

ــ مودّع ومحروس بألله أبو جاسم.

أثناء خروج أبو جاسم وعند باب المقهى، إصطدم أحدهم به وبادر بأن قدم الاعتذار له وبحركة سريعة وضع يده على ظهر أبو جاسم كتعبير عن التودّد...

عاد الشخص الثاني ليجلس جنب صاحبه، وتعالت منهم قهقهة مكتومه ونظراتهم تلاحق الرجل.

دخل أبو جاسم الى مبنى مديرية الأمن ليقدم تقريره اليومي المعتاد، صرخ بوجهه ضابط الامن:

ــ أنت معهم أم معنا؟!

ــ ماذا...؟!

ــ تُعلق على ظهرك بيان لهم ومذيل بالخط العريض "عاش الحزب الشيوعي"!!؟؟

ــ ...!

 

عبد الرضا المادح

2015.03.27