للذهاب الى صفحة الكاتب   

الأوديسة عند كريستوفر نولان: ثمن العودة/ 2ــ2

يوسف أبو الفوز

 

الجزء الاول من المقال على الرابط

https://www.tellskuf.com/index.php/thqaft-wadb-wfnwn/125522-268275

 

ومن أكثر المشاهد التي تكشف عن رؤية كريستوفر نولان مواجهة أوديسيوس بالساحرة سيرسي، التي تؤدي دورها سامانثا مورتن (مواليد 1977). فقد أخذت هذه المواجهة بُعدًا نفسيًا وفلسفيًا عميقًا، يختلف عن الصورة التقليدية لسيرسي في الأساطير والاقتباسات السينمائية السابقة. في هذا المشهد لا يعتمد أوديسيوس على القوة، وإنما على ذكائه وحنكته وقدرته على قراءة الطرف الآخر. يحاول تفكيك دوافع عزلتها، والاقتراب من عقدة عائلتها، ومواجهة ماضيها؛ فيتحدث معها عن عائلتها الإلهية وأختها، ويُظهر فهمًا للأسباب التي دفعتها إلى النبذ والعزلة في تلك الجزيرة الموحشة. والأهم أنه لا ينظر إليها بوصفها شرًا مطلقًا. فهو يدرك أنها امرأة عانت من بطش الآلهة وقسوة عائلتها، ومن الرجال الذين حاولوا استغلالها.

 

ومن هذا المنطلق، يفهم أن سحرها وتحويلها الرجال إلى خنازير يمكن قراءته أيضًا بوصفه وسيلة دفاعية، لا مجرد فعل شرير صادر عن ساحرة شريرة.وهنا يكتب نولان الحوار بدقة لافتة حول قسوة الرجال، وإساءة استخدام السلطة، والحرب، والعنف الذي يمكن أن تبرره القوة. والأهم أن أوديسيوس لا يقف أمام سيرسي بوصفه رجلًا بريئًا يحاكمها، بل يعترف هو أيضًا بذنوبه وأخطائه الأخلاقية، وهو الرجل القادم من دمار طروادة وما خلّفته الحرب من موت وخراب. في تلك اللحظة يحدث نوع من التماهي بين الشخصيتين: سيرسي ترى أمامها رجلًا لا ينكر خطاياه، وأوديسيوس يرى خلف الساحرة امرأة صنعت قسوتها سنوات من الألم والعزلة. وهكذا تتحول المواجهة من صراع بين "بطل" و"ساحرة" إلى مواجهة بين شخصين جريحين، لكل منهما ماضٍ يطارده، وكل منهما يحمل طريقته الخاصة في التعامل مع العنف والخوف والخسارة. وحين تستجيب سيرسي لأوديسيوس، وتعيد رجاله إلى هيئتهم البشرية، لا يبدو الأمر مجرد انتصار للبطل على الساحرة؛ بل نتيجة لحوار استطاع فيه أوديسيوس أن يصل إلى المنطقة الإنسانية المختبئة خلف قسوتها. ثم ترشده إلى الطريق الذي ينبغي أن يسلكه للوصول إلى العالم السفلي، حيث يمكنه لقاء العراف تيريسياس ومواصلة رحلته نحو إيثاكا وعائلته. حتى عبارتها الشهيرة في الفيلم، (عودوا إلى أقنعتكم)، تحمل دلالة تتجاوز سحر التحول نفسه؛ فالهيئة البشرية التي يعود إليها الرجال يمكن قراءتها بوصفها القناع الذي يخفي ما في داخل الإنسان من جشع ووحشية.

 

ولا تكتفي رؤية نولان بإعادة تفسير الأسطورة على المستوى الدرامي، وإنما تمتد إلى الشكل السينمائي نفسه. فمشهد تحول الرجال إلى خنازير يكتسب قوته من الطريقة التي يجعل بها نولان المستحيل يبدو ماديًا أمام أعيننا. بدل أن يبدو التحول مجرد مؤثر رقمي منفصل عن العالم، يشعر المشاهد بأن الجسد نفسه يخضع لقوة غريبة ومرعبة. وهذه الطريقة تنسجم مع فلسفة نولان في التعامل مع المؤثرات العملية؛ إذ لا يريد أن يكون الخيال شيئًا منفصلًا عن الواقع، وإنما يريد للمشاهد أن يشعر بأن العالم الأسطوري موجود أمام الكاميرا بالفعل. ولهذا تصبح الخنازير أكثر من مجرد مخلوقات أسطورية؛ إنها صورة بصرية لفكرة الفيلم نفسها: هل تكشف سيرسي طبيعة الرجال، أم أنها هي التي تحولهم إلى ما لم يكونوا عليه؟

أما الطبيعة والآلهة، فلا تبدو في الفيلم مجرد خلفية ضخمة لرحلة أوديسيوس، بل قوة مستمرة في مواجهته.

البحر، في "الأوديسة" كما في الفيلم، ليس طريقًا يصل بين مكانين؛ إنه امتحان. وكلما اقترب أوديسيوس من إيثاكا، بدا أن الرحلة لا تختبر قدرته على البقاء فحسب، وإنما تختبر حدود إرادته أيضًا. والآلهة من جانبها تضع الإنسان أمام سؤال قديم: أين تنتهي إرادة الإنسان ويبدأ القدر؟ أوديسيوس يريد أن يتحكم في مصيره، لكن كل خطوة في رحلته تذكره بأن الذكاء وحده لا يكفي دائمًا. يستطيع أن يخدع البشر، وأن يناور، وأن يخطط، لكنه لا يستطيع التحكم في البحر، ولا في الموت، ولا في الزمن. ومن هنا تصبح الرحلة الخارجية انعكاسًا لرحلة داخلية: كلما اقترب أوديسيوس من إيثاكا، اقترب أيضًا من مواجهة نفسه.

 

ومن العناصر التي تستحق التوقف عندها أيضًا حضور الأغنية والحكاية والذاكرة في الفيلم. فالناس يتناقلون أخبار أوديسيوس بوصفه بطلًا، وتتحول مغامراته إلى حكايات وأغانٍ. لكن أوديسيوس نفسه يحمل ذاكرة مختلفة تمامًا: ذاكرة الموتى، السنوات الضائعة، والأشخاص الذين لم يعودوا معه. وهنا يضع نولان مسافة بين الأسطورة التي يرويها الناس والتجربة التي عاشها صاحبها. العالم يرى المجد، أما أوديسيوس فيرى الثمن. العالم يغني عن الحرب، أما هو فيتذكر من مات فيها. العالم يتحدث عن البطل، أما هو فيحمل داخله آثار الرجل الذي كان قبل الحرب وبعدها. وعندما يصل أوديسيوس أخيرًا إلى إيثاكا، لا يعود بطلًا منتصرًا يعلن نفسه أمام الجميع، بل يعود متخفيًا في هيئة متسول، وكأن الرجل الذي عاد من الحرب يحتاج إلى أن يخفي حتى صورته عن العالم. ويلتقي بينيلوبي دون أن يكشف لها هويته في البداية، فيختبر وفاءها وصبرها بعد سنوات الغياب. وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا، تسأله بينيلوبي إن كان يعرف أوديسيوس من خلال الأغاني التي كُتبت عن بطولاته. فيخبرها بأنه كان هناك، وأنه يعرف تلك الحكايات من واقع التجربة. ثم يقول ما يلخص ربما جوهر الفيلم كله: إن تلك الأغاني تبكيه. وحين تسأله: (على الأرواح؟)، يجيب بما هو أوسع وأشد إيلامًا: (السنوات. كل شيء.) هنا تنكشف المسافة الهائلة بين أوديسيوس الذي تعرفه إيثاكا، وأوديسيوس الذي عاد إليها. فالناس يتذكرون انتصاره في طروادة، بينما هو يتذكر الموتى. والناس يغنون عن مغامرته، بينما هو يبكي السنوات التي لن تعود. والناس يرون البطل، بينما بينيلوبي تريد الرجل. وهنا تحديدًا تتجاوز "الأوديسة" عند نولان كونها حكاية عن رحلة بطل إلى وطنه، لتصبح تأملًا في الإنسان نفسه: في الحرب والسلطة والحب والذنب والذاكرة والرغبة في العودة. وربما يكون السؤال الأعمق الذي يتركه الفيلم وراءه ليس: هل عاد أوديسيوس إلى إيثاكا؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يعود إلى بيته، من دون أن يحمل معه كل ما فعله في الطريق؟

 

نشر في ثقافية المدى البغدادية عدد يوم 3 أيلول 2026