للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب (2)- يومٌ لا أراكِ فيه

صالح مهدي محمد

 

 

حين لا أراكِ، ينعقد الوقت في مفاصل الصمت، ويتحول إلى مادة لزجة تعيق مرور اللحظة نحو تناميها. الفجر يتعثّر عند عتبات الروح، كمن يتلكّأ في خطوته الأولى، فتتراجع الأشياء خطوة إلى الوراء، وتفقد وضوحها يصحبها ضباب داخلي يتكاثر في عقارب الساعة، وهي تدور، تقيس الزمن وتعيده إلى نقطة الصفر، كأنها تحرس فراغًا يمتلئ بالغياب.

في غيابكِ، أستيقظ على صوت هشّ يتبعثر على تشظّيه. يتسلل النهار إلى الغرفة خجولًا، كأنه يدرك أنه بلا معنى ولا جدوى بدونكِ. الهواء ذاته يتخلى عن خفته، يمر عبر صدري كشيء مستعار، لا ينتمي إليّ وأعجز عن رفضه. الأشياء التي أعرفها—الطاولة، الستارة—تفقد صلتها بي، وتتحول إلى شهود صامتين على خلل غير مرئي. حتى المرآة، حين أمر أمامها، تعيدني نسخة مُجتزأة، مائلة نحو الغياب.

أخرج إلى الشارع، أختبر إن كان العالم لا يزال يحتفظ ببعض ملامحه. الأرصفة التي حفظت خطواتي صارت غريبة، كأنها أعادت ترصّف نفسها دون علمي. الوجوه تمر، أجساد تتحرك بإتقان آلي، دون أثر للداخل. المقاهي، التي كانت ملاذًا مؤقتًا، تبدو الآن كثقوب سوداء، تبتلع الكلام دون أن تعيده، وتفرغ الضحك من معناه. أرفع فنجان القهوة، وأنتظر أن يستعيدني المذاق، فيتكسر على لساني كمرارة تخص الفراغ الذي تركْتِهِ في المقعد المقابل، الفراغ الذي صار أكثر حضورًا من أي جسد.

تمتد الظهيرة كجدار ثقيل، أمضي بإنهاك. الشمس تضغط على المدينة كوزن غير مرئي، يثقل الخطى ويبطئ الأفكار. الأشجار، التي كانت تلوذ بها الأرواح، تقف الآن كأعمدة صامتة، تراقب التلاشي بصبر نباتي. النوافذ التي أمر بها عيون زجاجية فقدت ذاكرتها، تلمع دون أن ترى. أحاول أن ألتقط إيقاعًا من حركة الناس، أن أستعير بعضًا من ضجيجهم، فيتراجع الزحام فجأة، كأنه يفسح المجال لصمت أعمق، صمت يُحسّ، كضغط خفي على الروح.

أفكر بكِ في التفاصيل الصغيرة: في الطريقة التي كانت بها يدكِ تعدل فوضى الأشياء، في صوتكِ حين يُرقِّق من حدة العالم، في تلك القدرة الملتبسة على جعل اليوم قابلًا للعيش. بدونكِ، تختفي المعاني؛ تبقى الأشياء كما هي، لكنها لا تشير إلى شيء. كأنكِ لم تكوني إضافة، بل شرطًا مضمَرًا لوجود كل شيء في مكانه المناسب.

يميل المساء ببطء، كجسد مرهق يجد فراغًا ليستند إليه. الأفق يتآكل تحت لون باهت، يشبه ذاكرة جرح قديم يرفض أن يُشفى. الأصوات تنخفض، لأن الضجيج ينكشف على حقيقته: محاولة يائسة لملء فراغ. الغروب هو استسلام الوهج؛ يترك الساحة للظلمة لتعيد الأشياء وفق قانونها الخاص، حيث كل شيء أكثر غموضًا، وأكثر صدقًا في غيابه.

حين يحل الليل، يأتي ككتلة. كتلة من السكون المضغوط، تنزل على المكان وتعيد نسجه. الغرفة تضيق، الجدران تقترب، والزوايا تتكاثر كأنها تفكر بي. العتمة المُطبِقة تحدد الوقت، تجعله أكثر وضوحًا. الحواس تنكمش: اللمس يراوغ، السمع يتردد، وحتى التنفس يصبح فعلًا واعيًا، كأنني أجهد في العيش من جديد في غيابكِ.

القلب، في هذا الوقت، يدور حول نفسه، يعيد إنتاج الشعور ذاته دون أن يتجاوزه. كأنني عالق في مدار داخلي، لا خروج منه إلا بكِ. أحاول أن أستدعيكِ، كحضور، كشيء يعيد لمّ شعث هذه الفوضى الدقيقة. أتخيل ملامحكِ، لأقيم بها اتزانًا مختلًّا، كأن وجهكِ هو الشكل الوحيد القادر على إعادة العالم إلى نصابه.

وفي لحظة غير محسوبة، أدرك أن غيابكِ لم يسرق مني يومًا فحسب، بل أعاد سبك الزمن كاختبارٍ للفراغ، ولم تعد الساعات تعبر، بل تتراكم ترسّباتٍ من صمت. أنتِ لستِ جزءًا من هذا اليوم، بل شرطه؛ من دونِهِ يتفكك، وبدونكِ ينهار. لذلك، حين لا أراكِ، يغيب العالم معكِ، ويظل كل شيء معلقًا، ينتظر عبوركِ كي يستعيد صوتكِ، صورتكِ، حضوركِ.