للذهاب الى صفحة الكاتبة   

في قراءة رواية: وشم على جدار المونت صر للكاتبة جيهان سليم

خديجة جعفر

 

تأخذنا الرواية من العنوان مباشرة الى ثلاثية مركبات أساسية: الوشم, باعتباره فعل سلطوي بين فاعل ومفعول به بالصمت المصر على تغييب المتلقي\ الجدار: باعتباره جماد لتوظيف حمائي خدمة للاستمرارية\ المونت صر: الكائن البشري

 

فإن تمارس فعل الوشم, فإنك تلغي اللغة التواصلية الشفاهية وتحولها الى رموز مباشرة. لأن الوشم تاريخ, ذاكرة, حكاية جماعية لتترسخ أثرا مُوجِها في الفرد, يصعب توصيفه في الخانة الجمالية كما الرسم من لوحة فنية.

 

وإن يكن هذا الوشم على جدار فإنه يكرس ذاكرة اوحدث في الحاضر المستمر لحفظه من المحو والغياب.

 

وان يكن هذا الجدار كائنا بشريا فهذا ما تريد جيهان سليم الإشارة نحوه من الفكرة الروائية التي بين أيدينا لرواية: "وشم على جدار المونت صر" .

 

فمن حيث  الجملة الروائية:

تطالعنا الرواية على امتداد 285 صفحة من إصدار: "التدوين خدمات النشر والتوزيع", عرضا ينقسم الى خاصيتين: الأولى قد تشارف المشهد 18, مستخدمة الجمل الوصفية والممتدة بتكرار استخدام أفعال الماضي الناقص – ظروف الزمان – ظروف المكان .. مما يعطي مساحة لهذا الماضي وتدخلاته في بناء الشخصية الفردية والتفاعلية لكل منا. لكأن الكاتبة تتقصد إدماج الشخصية المزدوجة في كل فرد منا بحيث تظهر إحداها للعلن وأخرى تتخفى بسلوكات تدير الشخصية العلنية. ما يعيدنا الى طروحات الفيلسوف "فرويد"  من أهمية تأثير اللاوعي المتخفي على رسم شخصياتنا, وعلى أفكارنا ومعتقداتنا وسلوكاتنا ومواقفنا بشكل غير مباشر.

 

القسم الآخر ما بعد المشهد 18 المفصلي, تتحول الكتابة نحو تقصد نضوج الأسلوب والصياغة الأكثر دقة من حيث كثافة الجملة الروائية, لتحوِل الإمتداد الأسبق نحو التكثيف والاختزال والحوارات المباشرة, التي رغم استمراريتها وصفا للعرض إلا أنها تخدم اللحظة والحاضر بشكل أكبر.

 

ما تميزت به الرواية عن أخريات, إضافة الاشكاليات في خواتيم المشاهد لخدمة قارئ يحاول بحث إجابات سوف لن يجدها في المشهد بقدر ما سيجدها في الإهداء.

 

كذلك ان تعتمد راوي واحد مصدرا للبث, مما جعله يسرد الشخصيات المختلفة من وجهة نظره, بالدقة المتناهية لجهة تيه بعضها, ثغرات نقصها و مستويات وعيها, بجمل تشهد لدقة ايضاح الشخصية بما يتفق مع خصائصها المتوخاة من الرواية. حتى بدت الشخصية تتحرك في مساحتها بين السطور بوضوح التخيل, وبتوافق تام ما ما يتوقعه القارئ من هذه الشخصية.

 

فقد تبدو الرواية بمثابة ضوء خافت  يسلط على الشخصية لتبيان عناصرها المُرَكِبة. فتتجه الرواية لتقول: " بأننا لسنا ما نحن عليه, بل نحن مزيج من مركبات خفية, تؤثر وتتأثر, تدفعنا لسلوكات علنية قد يتم فهمها واستيعابها من قبل البعض وقد نجهلها نحن انفسنا كما يجهلها الآخرون.

 

 تبدو كأنها سؤال المعني من: "اللماذا نحن؟ أكثر منه سؤال:" من نحن؟" ..

 

فنحن إذ نعرف بجهود بحثنا, ذواتنا من (نحن), إلا أننا بالأغلب لا نستطيع تحديد هذا اللماذا الذي يتركه الخفي فينا,

وكيف نُحَمِلَهُ قدرة التأثير علينا؟

 

تعرض الرواية في الإجابة على هذا السؤال المحوري مجموعة من الصراعات التي نعيشها في مجتمعاتنا المحلية وتتوسع نحو مجتمعات أخرى, مشددة على أاثر هذا الخفي وتداخل مركباته.

 

تعيش شخصيات الرواية في قلب الصراعات السياسة والمجتمعية والدينية والايديولوجية والثقافية لتنتج هذا المركب المتمايز بين شخصية وأخرى.

 

فالصراعات الطبقية المتفعاعلة مع التمايز الجنسي دورا ووظيفة ركبت ذكورية خفية لدى المونت صر دفعته للقتل غسلا للعار رغم قناعاته وعدم اعترافه بذكوريته, إنما التزاما بوصايا إرث مجتمعي خفي يظهر فجاة من خلف الذاكرة والعرف والدين والكرامة ليقتل الجاني بجريمة لا تشبه جرائم الشرف نظرا  لغموض ارتكابها وعدم الاشهار بأسباب ارتكابها, فسِمة جرائم الشرف العلنية والإشهار, فيما  بقي الجاني والسبب في طي الكتمان.

 

الصراعات السياسية العالمية بين القوميات والأيديولوجيات التي جعلت من جميلة ضحية نشأة مشوشة الإنتماء, باحثة عن أصل يتمدد بين القومية العربية والروسية والأذاربيجانية ليضعها على هامش القدرة من اتخاذ القرارات من الأحداث, مجرد متلقية لأثر الآخر على مصيرحياتها ومكان إقامتها وقرارات مستقبلها دون قدرة المواجهة. فبين والد استشهد دفاعا عما ليس "هو", وام ماتت دفاعا عما ليست "هي", وأسرة وأعمام آذاربيجانيين لا يشبهونها ثقافة ونمط حياة فلم تعد جميلة "هي" نفسها من كل ما يدور حولها او ما تقع فيه قسرا, حتى في الحب, فلم تجرؤ الدفاع عنه او التمسك به تحت وطأة مشاعر الإغتراب وأحقية التلقي عن المواجهة والاعتراف, لتعتمد الرحيل عن الأمكنة  نمطا للحلول وبحثا عن الإنتماء عند كل أزمة..

 

الصراعات الدينية والمجتمعية الثقافية من دور الرجل, التي وجهت زهرة الى تغيير مونت وإدمانه ونمط عيشه نحو آخر مغاير واستعادة دور الرجل الملتزم  في الوقت الذي لم تجرؤ على مواجهة رغباتها واقتناعها بان الاختلاف يولد الوان الحياة وشغفها, إلا انها آثرت رده الى الطريق المتفق عليه مجتمعيا, مقابل معاناتها من زوج متسلط علمها أصول الصمت والانصياع حتى أدمنتها  متمنية موته على البقاء, فمات في رحلة حج دينية. حينها فقط  تمكنت الكلام والاعتراض نسبيا. فزهرة التي عانت التشابه لم ترتضي الاختلاف مصيرا مقنعا للحياة الزوجية. 

 

الصراعات الثقافية بين علم وحداثة وحريات وعالم التجهيل الممنهج سياسيا وعرفيا ومجتمعيا ليشكلنا على نكهة الأذى البرئ, لنجد دوما مبررات مقنعة لشرورنا المرتكبة جهرا او خفاء, حين يشتري اسامة كتاب السحر الأسود, قاتل المونت, والذي يموت في منطقة ولادته محملا بشياطين السحر الأسود.

 

فنحن إذا لسنا ما نحن عليه, لنتعرف أنفسنا والآخرين, توجهنا الكاتبة بأسلوب العرض وبأقل الجدل الممكن دون ان تقدم مقترحات الحلول التي تفيد التعدد من وجهات النظر.

 

فنجد حينا, قد يكون الحل سحريا بلجوء المونت الى الكتاب الأسود لاستعادة زهرة بعد خطأ الخيانة ولم يواجهها خوفا من نقصما ربما, او إذعانا لمشيئة النمذجة في العلاقات. وحينا آخر يظهر الحل من الصراع  أيديولوجيا دينيا مع اسامة ودخوله عالم الإخوان ثم التراجع عنه, وقد تذهب بنا نحو الرأسمالية الأقل جشعا او الشيوعية التى تتخلى عن رقمنتنا وفق طروحات محمد نفسه, وأحيانا اخرى قد  تنتصر الثقافة والتبحر على العلم مع محمد, وقد ينتصر الثأر العرفي مع منتصر بقتل إبن العمدة, فالحلول حائرة في الرواية, لا تظهر وجهة نظر الكاتب دون العودة الى الإهداء الذي يدفع للمواجهة طريقا بدل الصمت..

 

تؤكد الأمكنة وظيفة حيرة الذات من سطوة الطيف الخفي فينا, ففي الرواية تدو الكاتبة بنا بين أمكنة عدة, بدورة دائرية, تبدأ من نقطة البداية (الديابية) الى نزلة السمان بظروف تشكلها الظرفي – الى قاهرة العلم والتاريخ والحضارة – الى روسيا الإنهيار– الى برلين والاتحاد– ثم آذاربيجان ضحية الإنهيار ثم القاهرة مجددا, وهنا تنفصل الدائرة, ليعود كل من الأبطال الى أصوله محملا بالخسائر والانكسارات التي لا تؤهل لبدايات جديدة, فالمونت صر يموت, ولا  تقرا زهرة رسالة اعتذاره, فيما تختفي آثار جميلة في رحلة عودة الى آذاربيجان, دون التلميح لحياتها اللاحقة او حتى تاريخ وصولها. لتبقى في الخفاء دون ان نعرف كيف ستتابع حياتها التي تشبعت بالانكسارات أيضا..

 

فالأمكنة في الرواية مصانع انتاج وحفظ  الذاكرة, وقرص محرك للاحداث بما خفي من آثارها, هي الأمل الطارد للبدايات والجاذب للنهايات, وحدها القاهرة الثابت الأوحد في الاستمرارية حيث إستقر اسامة والزهرتين في مصالحة مع العهد الجديد....

 

خديجة جعفر

5- 9- 2026