
قراءة في رواية "النبيذة", للكاتبة انعام كجي
خديجة جعفر
ربما تكون انطلاقة السرد بدء من نقطة النهاية, أول ما يلفتك حين قراءة رواية "النبيذة" للكاتبة انعام كجي, وهي انطلاقة لم توظف لقصدية المراجعة التأنيبية اوحتى الفخرية لمسيرة الشخصيات منها. فعلى امتداد 274 صفحة صادرة عن دار الفكر الجديد سنة 1918, تلونت بقدر وافر من الأحداث المؤثرة والمحطات المفصلية لمسار كل شخصية رسمتها الكاتبة بالدقة اللازمة لتكون على مقاس "التعلم" لتجربة المصالحة نقدا وليس نقد العداء من خلال توجه سردي ينقاد بعمق الرؤية.. فالتناقضات كثيرة, والصراعات تطال كافة المجالات من أحداث تدور في فلك الشخصي والعام, لتعبر الزمن بسلاسة وقبول, من خلال ما تطرحه مواقف وحوارات الشخصيات, وإلا فكيف لنا بالقراءة الممتعة لسيرة جاسوسة عراقية كلفت باغتيال القائد بن بلة من الجملة الافتتاحية للرواية؟
النبيذة, تجربة روائية تلزم القارئ خوض النقاش الذاتي الأعمق من مجرد قراءة سطور وأحداث لحكايات تسردها الكاتبة بود القبول حتى في ظل أقسى المواقف. رواية تأخذ بقارئها نحو مواجهة أسئلة الاصطفاف وأسئلة المعنى كما أسئلة الموجبات والموانع, وتلزمه بحث مبرراته الخاصة من اصطفافه والتي لن يجدها دون إثارة التساؤلات حول طرفي التناقض لنماذج العلاقات, الأسرة, الإنتماء, الأنظمة, المعتقدات, الجسد, الدين, السجون والإعلام.. لعرض خلاصة لحكاية تشكلت من مجموع حكايات عابرة للزمن والحدود واللغة, تتصل بروابط خفية, قادرة على القيادة وتحريك الحدث, تصب في زمن موحد وحيز مشترك, فتكتب التاريخ وتوثقه من خلال مصائر الأفراد معتبرة الحروب قدر أعمى يوحد الأثر من سؤال:
"ماذا يعني الوجع لصاحبه؟"..
لكل شخصية من الرواية, حصة من ماساة غيرت مجرى حياتها, متناولة موضوع إغتراب الذات المذابة في ظل انتظام النظم الهادفة لصناعة النموذج, سواء النظم الدينية او السياسية او المجتمعية او الأسرية او العاطفية أيضا..
فتعرض إنعام كجي, من خلال شخصية البطلة تاجي الملوك, الإيرانية الأصل والعراقية المنشأ, الواضحة الأبوة بيولوجيا وموقعا ودورا دون وثائق ثبوتية, لتصبح إبنة أوراق من صناعة زوج أَم فرضت عليها هجرة لتعيش في كنف أسرة إيرانية غريبة حيث تستقي علومها وخبراتها الحياتية والمهنية لاحقا, فكان لتعدد الأمكنة أثره في بناء شخصية متعددة في أنواتها موحدة طموحات غدها.
تعبر الكاتبة الزمن ,تاريخا موثقا من خلال تفاعلات الأفراد ومواقفها دون إشارة او تلميح, ليس لنقص في قدرات التعبير بقدر ما يخدم التميز أسلوبا بما يحمي القارئ من الإنجرار لاتخاذ موقف او لنصرة طرف دون آخر. فلكل ظرف او علاقة تحيط بتاج الملوك (بطلة الرواية) مبرراته رغم ما يتركه من التباس او من وجع, لكأن الكاتبة تطرح الوجع كخاصية إنسانية تدفع نحو الحفر أعمق من النظرة السطحية وإطلاق الأحكام على الأمور لتتباين المواقف, لتشتد الصراعات ويترك القارئ في حقل وحدته بحثا عن موقفه الشخصي.
فالدين واحد, لكنه يتخذ في الرواية أوجه متباينة من حيث التلقي والاستخدام والوظيفة. فحينا يظهر الدين الذكوري, التسليمي, الآمر والناهي, المعاقب القاسي, المميز بين الفئات والأجناس, لا سيما في عرض تحرشات زوج الأم وفي نظرة الإناث المتجمعات في صبحيات البيوت ودورهن في إنتاج الغواية وتلبية الرغبات للأجساد العالقة في الذكورية المتحايلة, مقابل إرادة اللذة من حرية جسد مطالب من تاج الملوك, وجه آخر للدين السلمي, الإحتوائي, المنقذ من الشرور ومن الخراب والدمار, القادر على الحماية من قلب الإشكال مع راهبة تؤمن بأن الايمان الحقيقي حين نفتح الأبواب للمبعدين. يتجلى بريق الدين حين تحمله الرواية جينات نقل الجمال لغة وموسيقى شعرا وتجويد, ليكون زخيرة تاج الملوك وهي تحفظ جميل ما اكتسبته من السيد الشيخ زوج الأم المتحرش بطفولتها, الدين نموذجا للتوبة والغفران حين تزلزلنا الضغائن ثارأَ مع وديان, واخيرا يظهر الدين كدين مساواة حين تنشرتاج الملوك الآيات القرانية مجودة بصوتها الأنثوي.
كما ازدواجية الدين استخداما في الرواية يدور الاعلام لاعبا في نفس الملعب, فلإعلام السلطة امتيازات وحماية وقسط من كتابة التقارير عن شغب الطلبة الجامعيين, ليفقد مكتسباته حين يتحول الى إعلام الشغب الشعبي في نشر قضايا الشأن العام وحكايا شهداء الجسر, فتسقط عنه الحصانات والامتيازات و يهدد إعلاميوه حد الهجرة. فتاج الملوك مدللة أصحاب النفوذ, تضطر لترك رئاسة تحرير مجلتها الخاصة والتوجه نحو الباكستان طلبا للحماية. فمواقع النفوذ فرضت تاج الملوك إعلامية نيرة, هي نفس المواقع التي تفرض النماذج العبثية من أساليب الإخضاع وجر المتعلمين وأصحاب المراكز العليا نحو عبث تنفيذ الرغبات الشخصية تلية لابن الشيخ الذي ارتكب مجزرته في تقصد الصمم للموسيقية التي ترتهن على السمع وجودا, ليفقد خبيبها يوسف كرامته من ثم خطيبته..
وحده الجسد حائر في رواية النبيذة, ثمة جسدين يتحركا في عوالم مختلفة الأقطاب, أجساد معاقبة بالحرمان عشقا بلعنة الأمر الواقع. فالأجساد المحبة محكومة بانعدام علاقة فيما الأجساد حاضرة حين ظرفية رغبة اوهربا من مظالم النظم. الجسد حيلة البقاء رغبة, سواء حاضرا مرتكبا, او طيف خيال يشبع رغبة ,ثمة فصل يحكم أداء الأجساد, أجساد الإنجاب - أجساد التامينات الظرفية, رساميل قوة تضاف الى مستلزمات الاكتساب والحماية.. فتاج الملوك لن تلتقي بجسد منصور\ جسد اكرم الرسام مقاوم للغواية خوفا من الغرق لانه شعر بانجذاب, فيما اكتفى برسم الافعى تمويها يغطي استجابة\ وديان تعاشر مغتربي باريس خيالا حين تشدها الرغبة الى يوسف\ أجساد النساء أدوات لاقتناص الحماية بوساطة تلبية رغبة, أجساد الغواية صيدا لمكتسب \ أجساد الرجال أدوات لفعل الهروب جنسيا حتى لو باستدعاءات التحرش, أجساد الهرب المقاوم للسقوط عن خيل الذكورة التي تعاقب نفسها هربا من طغيان الحضور.
الأمكنة وظائف انتماء وفعل وذاكرة في رواية النبيذة, ليست لسحر الوصف من وقع من النظر, فالأماكن بروادها واحداثها التي تعيد إنتاج الحدث ومشاعره, من السراديب حيث موقع المجلة, أحياء الرشيد وابو نواس حيث تجمع سكارى الليل, سواعد المهاجرين بناة الأرصفة الباريسية, الأبنية المتصدعة حيث رسم بيكاسو, قاعات ومسارح العرض للفرق الموسيقية, ملعب الخيل وساحة ارتكاب مجازر تبعية يوسف لابن الشيخ, في شناشيل بغداد وساحاتها مكتبات لدراسة الطلبة ومسرح ثوراتهم وارتكابات المجاذر بحقهم.. الأمكنة وجه الحدث في ذاكرة تتمدد ولا ينتهي يرسخ وجع يصوغ السرد بجمله القصيرة, الفعلية بأغلبها, بافعال ماضيها, حين سرد النكسات وبمضارعها من وصف إرادة, تضيف على سرعة الأحداث حركة تبعد ملل القارئ أشواطا..
أتت النبيذة رواية, من حيث اختيار أسماء ابطالها, لتعرض الرموز الاكثر تعبيرا عن رسالة التناقض والصراع, وهي التي اوقعت الرواية في فخ المباشر حين لم يكن خيار الأسماء عشوائيا بقدر ما يخدم رسالة للمتلقي من حيث:
يوسف, حبيب وديان, لم يتعفف عن الانصياع لسلطة كما انسحب النبي يوسف من مواجهة زليخة في الأسطورة, بل انصاع لرغبات وأوامر ابن الشيخ المفروضة مضحيا بحبيبته دونه إنقاذ نفسه.
منصور المقدسي, لم يكن من المنصورين في حمل قضاياه الوطنية من قضية فلسطين, هو الخاسر الأكبر من السرد, خاسر الهوية والإنتماء والأسرة والحب.
تاج الملوك, والتيجان الملكية رمز الثبات مكانا وسلطة قرار, لتكون الاكثر تيها مع تعدد الأمكنة, والأضعف انتماء لأسرة وقضية, والأقل سلطة بعيدا عن سلطة الغواية, لتنتهي نبيذة, معزولة في مستشفى تكمل أيامها تعدادا بانتظار نقاط النهاية من رسالة منتظرة لن تفتحها.
وديان, الغارقة في ذاكرة عشق مقتول, بين السمع والصمم, بين رغبة وأوهام الخيال, تخترع من خيالاتها أطيافا وسفن نجاة. لم تكن الاسماء خيارا عشوائيا بقدر ما هو رمز لفكرة التحايل على الواقع بهدف الاستمرارية حين عجز القدرة على اتخاذ القرار.
اخيرا, رغم ما تتحمله الرواية من كثير البحث وطروحات الأفكار, لم يكن تطعيم الحوارات بالأبيات الشعرية من زاوية البلاغة اللغوية فقط بل ظهر عنصرا داعما لعمق الرسالة الموجهة من رواية تعمل على قيادة الرؤية الأعمق من نقد المواقف والمصالحة بين قطبي الصراع لا سيما حين ترفع شعارات الثورة فتقول: يا حافر البير\ لا تعمق مساحيها\ خوف الفلك يندار\ وانت تقع فيها..( ص 136 )
١٠ – 9 – 2026
خديجة جعفر
