
الأحياء الأموات/ قصّة قصيرة
عامر عودة
عُدْنَ من جولتهنَّ حزينات ضعيفات يُسربلهنَّ التَّعب. رفيقاتهنَّ اللّواتي كُنَّ بانتظارهنَّ، تَوَقَّعنَ منهنَّ أن يَعُدْنَ فرحات راقصات رقصتهنَّ الاهتزازيَّة، لكنَّهنَّ لم يفعلنَ، بل اندسسن عَبرَ الكُوّات داخل مستعمرتهنَّ الصَّغيرة خائبات الأمل يأكلهنَّ الجوع ويجتاحهنَّ التَّعب.
استبدت برفيقاتهنَّ الحيرة؛ فليس منَ المعقول أن تكونَ المدينة وما حولها شحيحةَ الطّعام، إذ إنَّ آباءهنَّ وأجدادهنَّ، استوطنوا أيّامًا وأسابيع في هذا المكان، ولو لم يكن وافر الغِذاء والماء، لهلكوا جميعًا. وهذا ما جعلهنَّ يتجمَّعنَ فيه من جديد. أمّا أن يذهب تعبهنَّ سدًى، بعد أنِ اجتهدنَ في بناءِ مستعمرتهنَّ، فهذا ما لم يتوقّعنَه أبدًا.
بعدَ اجتماعٍ تشاوري، قرَّرنَ الانتشار في جميعِ الجهات بحثًا عنِ الطّعام، فقد بدأَ الجوع يُلقي بظلاله عَلَيهنَّ، وصغارهنَّ لا تحتملُ الجوع طويلًا... فانقسمنَ جماعات، عاقدات العزم على البحث عن غِذاء، لأنَّ القليل منه الّذي كان في منطقتهنًّ قد نَفِدَ... وبقي في المستعمرة قسم صغير منهنَّ، ليحميها منَ اللّصوص والأعداء.
انطلقنَ إلى المدينةِ القريبة حيث يسكنُ البشر. وعندما بدأنَ بالاقتراب منها، تَفَتَّحَ زهرُ الآمال في قلوبهنَّ، فقد بدا الغذاء فيها وفيرًا، والماء كثيرًا. فاستغربنَ كيف أنًّ زميلاتهنَّ عُدنَ خالياتِ الوفاض، يَعُضّهنَّ الجوع... لكن عندما اقتربنَ من ذلكَ الّذي بدا لهنَّ طعامًا لِيُسكِتنَ به جوعهنَّ، ويأخذنَ ما قدرنَ منه لصغارهنَّ، وقعتِ المفاجأة...
في هذهِ الأثناء، مرَّ رَجُلان بجانبِ المستعمرةِ الّتي تركوها وراءهنَّ. وعندما وقعت أعينهما عليها، تَجَلّى الاهتمام فيها، ولمعت جشعًا، وانفرجت أساريرهما. فاقتربا منها ليتأكّدا من صِحَّةِ اكتشافهما. لكنَّ المدافعات عنها هاجموهما، ودافعنَ عن مستعمرتهنَّ بشجاعة فائقة، حتّى فرّا مُطرقيْن بخيبتهما.
عادتِ الباحثات عنِ الطَّعام من حيث أتينَ خالياتَ الوفاض، يتضورنَ جوعًا ويذوونَ عطشًا؛ فالطَّعامُ الّذي بدا لهنَّ وفيرًا من بعيد، بألوانِهِ الزّاهيةِ الجميلة، اكتشفنَ أنَّه من مواد بلاستيكيَّة خَدّاعة، وتَجمُّعات المياهِ القليلة والصَّغيرة مُلَوّثة، ذات رائحة قذرة. فلا روح في هذهِ المدينة ولا حياة. إنّها لا تُطعم جائعًا، ولا تروي ظمآنًا. ولم يبق لديهنَّ أيّ ذبالة من أمل بإيجاد غذاء.
عندما اقتربنَ من مستعمرتهنَّ، رأينَ بعضًا من زميلاتهنَّ قد أدركهنَّ الثُّبور، وبعضهنَّ الآخر أثخنتهنَّ الجروح. فأدركنَ أنَّ معركة قد وقعت للدّفاع عنِ البيت، ولحمايةِ الصِّغارِ الّذين كانوا وما زالوا يَتضوّرون جوعًا، مُنتظرين فرجًا لم يأت بعد...
لم تمرّ إلّا بضع ساعات، حتّى عادَ الرَّجُلان المُعتديان مُرتديان ملابس عجيبة، تشبه ملابس رجالِ الفضاء، بعد أن تَسَلَّل ثعبانُ الإغراء إلى قلبيْهما. فاقتحما المستعمرةَ الصَّغيرة بلا رحمة، لسرقة ما اعتقدا من أنّ سُكّانها قد خَزَّنوه من طعام، ليأكلا، ويُطعما عائلتهما. وتَعَجَّبا كيف أنَّ سكانها فرّوا هاربين، ولم يدافعوا عنها هذهِ المرَّة، كما في المرّةِ السّابقة، وكما في كلِّ مرَّة يُقْدِمان فيها على مثل هذهِ السَّرقة!
لم يجدِ الرّجلان داخل تلكَ المستعمرةِ الصَّغيرة غير جثث كائنات صغيرة أهلكها الجوع، وذواها العطش؛ فعادا من حيث أتيا، إلى مدينتهنَّ الحيَّة الميّتة، مشتاقين لطعم ونكهة طبيعيّة طيّبة، لم يتذوقاها من سنين...
