
قراءة في رواية: "ايرينديل نجمة الصباح"
خديجة جعفر
إن تدخل جيهان سليم باب الرواية الأدبية بمفتاح التوثيق, فلا بد وأنها تخترق السطح نحو معالم الأنسنة من الحجر الأثري, فالخيال الروائي حاضر لإضفاء القلب النابض على التماثيل الحجرية, واللون الزاهي على قشور سطوحها المعتقة, وقد زودتها باللسان الحي لتنطق حكاياتها حيةً, بكل ما تختزنه من انفعالات ومشاعر مرت بها الشخصيات من الوثيقة التاريخية. فها نحن نقرأ ما بين سطور ال266 صفحة من رواية: "إيرينديل, نجمة الصباح", الصادرة عن دار: "تدوين, للنشر والترجمة والتوزيع", فنلتقط إشارة الضوء لتسطع في عوالم تتأرجح أحداثها وانفعالاتها بين الحاضر والماضي متخذة من الأسرة المصرية المعاصرة نموذجا, مقابل عرض للتفاصيل الحياتية من أسرة ملكية, من حقبة التاريخ المصري القديم, مستعرضة التفاصيل من يوميات أفراد أسرة: "رمسيس الثاني" نموذجا.
لقد أدخلتنا الكاتبة قصور الملوك القديمة من بواباتها العريضة, من قاعات اجتماعات يترأسها الملك رمسيس وزوجاته, حيث أُبرمت المعاهدات الدبلومساسية وأُقرت الحروب وانتشرت العلوم الى باحات وممرات وغرف نوم الملوك والأميرات بممراتها العلنية والسرية, وقد مررنا بمغاطس استحمامهم وأماكن استرخائهم, الردهات وورود الحدائق, فشممنا عطور الفل والياسمين مع لقاءات الأحبة وحكايات العشق الملكية السرية منها والعلنية, فتلفظت الحجارة بلغة عصرها سردا لحكايات كل فرد من مجموعة التماثيل الغرانيتية, التي نمر بها اليوم كإخبار أثري مجرد من العاطفة نحوه, فتتحول رحلة البحث المعرفي من حالة الإستكشاف التاريخي الى المعاش اليومي من البشري الإنساني الكامن في عمق الحجارة, بالتالي فقد شرحت الكاتبة وجهة نظرها حول خصائص الإنسانية التي تتشابه مهما اختلفت الحقبات والأزمنة.
التاريخ مع "جيهان سليم" يستعيد ذاته, فقد ترحل إليه "حياة" بطلة الرواية, لتلقي نظرة على الأحداث التي تعيشها أفراد أسرة "رمسيس الثاني" ثم تعود منه إلى حياتها اليومية بين القاهرة والصعيد المصري, تقابل الأدوار رغم اختلاف الحقبات والمواقع.
فالأزواج الملوك (رمسيس الثاني – نفرتاري) عرفوا الحب وتنشقوه نفسا لبناء حياة أسرية سعيدة مليئة بالضحكات والاحتواء والاحتضان, وعرفوا أيضا وجع الفقد والتيه وخذلان الأقدار حين وفاة الاولاد والزوجة الحبيبة "نفرتاري", وهرب الملك "رمسيس" من مواجهة ابنته "ميريت آمون" التي تذكره بفقدانه لوالدتها, تماما كما مر العشق على أهل "حياة", في حب يجمع بين الزوج وزوجتة قبل وفاتها, ومرارة الفقد حين وفاة الأخ الأصغر والتزام الأب الزواج من أرملة أخيه تلبية لضغوطات العرف والتقاليد من العائلة الصعيدية في مصر اليوم, حتى لجأ لخيار مغادرة الأمكنة والذكريات أملا بالنسيان.
هذا وقد عرف الملوك القدماء مشاعر الغدر والخيانة من مملكة تعتدي بالحرب المباشرة او بالخداع والحيلة, وواجهوا ذلك دفاعا عسكريا حينا او بأساليب الحيطة والتحايل, كما تعرف الأسرة الصعيدية اليوم معاناة الإجحاف بالحقوق وسطوة الأعراف تغليبا لاهمية الملكية العقارية على الفرد في محاولة سلبه ملكيته وحقوقه وطموحاته وأحلامه الفردية, إن بالمواجهة والعداء او بالتحايل حين يتقرر زواج "حياة" الطالبة الجامعية من إبن خالها الهمجي, بحجة حفظ الميراث. هذا ولا تتوانى الكاتبة عن ذكر الغدر الذي يتعرض له "أورخي" ووالده حين يتم تهديده وتسلب منه مملكته ويسقط عرشه, فيهيم في الأرض طلبا للحماية, وحين يتقبل العادات ويتشارك المعتقد الديني, ويكتسب اللغة والعلوم, ويثبت إخلاصه للملك في ارض جديدة, يكافأ بزواج الأميرة التي أحب, إبنة رمسيس الثاني, في حين تكافأ حميدة بتحسن علاقتها الزوجية حين تدافع عن زوجها وابنته عندما يتسلط أهلها.
سوف لن تختلف معايير الخطيئة وعقوباتها بين العالمين, فحين تشذ "ميريت آمون" إبنة الملك "رمسيس" عن تقاليد وأعراف الملوك, سوف تعاقب بالتبرؤ والنفي والاستبعاد حد الموت, وحيدة داخل المعبد في خدمة الالهة تخففا من ذنب واعترافا بالخطيئة, ما كان يفترض أن تواجهه "حياة" حين تفردها بقرار استكمال التعليم في العاصمة او خارج البلاد وما في ذلك من خرق للقواعد والأعراف, وإما, عليها ان تواجه عقوبة الحرمان رضوخا والتخلى عن إرث والدها وأجدادها كما حال جدتها وزوجة أبيها..
تمر الكاتبة على التاريخ معددة أسماء المناطق, الوديان, الممالك, الملوك, المعابد, نصوص وحكايات, قبائل- هجرات- لغات- أديان- حروب ومعارك – معاهدات بين ممالك وحدود دول.. دون أن ترشدنا الى مكمن الدماء في كل ذلك, فقد مرت على الأحداث مستخدمة من حركة الأفعال صياغة, عددا محددا لا يتخطى: (حارب- دحر– إنتصر– أسر– شنق) لتختصر بها حركة التاريخ بين انتصارات وهزائم, مستقية الحجة والإثبات من النص الديني القرآني حينا, ومن علوم التاريخ والتوثيق واللغة والترجمة والنقل أحيانا في رحلة تفسيراتها للحدث التاريخي, ما طرح سؤال حائر في الأسبقية بين تاريخ يؤكد النص أم نصا يؤكد الواقعة التاريخية لا سيما حين التعرض لوقائع و قضايا الأزمات والقضايا السياسية المعاصرة.
تبدو المعارك والممالك والقيادات من وجهة نظر الكاتبة مجرد أحداث ومحطات, بينما تتجه اهتماما نحو ثقافة الحقبة, المعاش اليومي, أنماط السلوك وتوقعات ردود الأفعال من التفاعل الإنساني, لتربط الحدث بعوامل جذب تضِعه في المسافة الأقرب شعوريا من مستكشف يدرس حضارات الشعوب. ونحن إذ نمر اليوم بأحد المعابد او القصور او التماثيل الحجرية للملك "رمسيس الثاني" أو لأحد أفراد أسرته, سوف نتلمس ذاك النبض والبريق من أعين تماثيلها, حسرة ووجع من انكسار, أو فرحة عشق و انتصار تبثها الشخصية الآن, بعدما تم اختراق الصخر نحو الإنسان القابع في عمق حجر من رحلة الكسب المعرفي..
فمعابد: حتحور, وأبو سنبل ومعبد دندرة ووادي الملوك, وغيرها.. لم تعد مجرد عرض حجري أخرس على شموخه وعظمة حضوره, بل أصبحت أماكن احتضنت مواجع الفقد ودمع الحزن, رجفة العشق وثورة الفرح, صلاة الغفران وبحث الأمان ومقابر للخطيئة. انفعالات وصراعات عاشها الإنسان القديم, ومستمرة نعيشها اليوم, حتى لو اختلفت بعض ترجماتها السلوكية.
بين رواية وتوثيق, ترسخ الكاتبة مشاعر القرابة اوالصداقة او الأخوة مع هذا التاريخ, والتي يصعب تلمس نبضها في المحتوى من الكتب الأكاديمية المدرسية, بقدر ما نتلمسه حين تمر بخيال كاتبة روائية توثق الحمولة الشعورية والإنسانية.
من الحدث ...
14- 9- 2026
خديجة جعفر
