للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب- (4) لمَ هذا الغياب؟

صالح مهدي محمد

 

إلى التي كلما غابت، أشرقت في داخلي ألف نافذة على الحنين…

 

لمَ هذا الغياب؟ أهو طريقٌ طال بين خطوتين، أم أن المسافة قررت أن تسكن بين نبضتين؟

منذ أن ابتعدتِ، والوقت لا يمضي؛ إنه يجرّ ظلَّه خلفه كشيخٍ أثقلته الذكريات، وكلُّ ساعةٍ تمرّ من نافذتي تترك على الزجاج أثرًا يشبه اسمك، ثم تمسحه الريح قبل أن أستطيع لمسه. أبحث عنكِ في ازدحام الوجوه، فلا أجد إلا ملامح عابرة ترتدي شيئًا من حضورك، وأصغي إلى ضجيج المدينة لعلّ صوتًا يخطئ الطريق إلى قلبي فيحمل إليّ سلامك، لكن المدينة صمّاء حين يتعلّق الأمر بك، والطرقات تحفظ خطاكِ ولا تدلّني عليكِ.

 

لمَ هذا الغياب؟ أترى الغياب بابٌ آخر للحضور؟ فأنتِ، منذ رحلتِ، لم تغيبي عن شيء؛ تسكنين فنجان قهوتي حين يبرد، والكرسي المقابل حين يظل خاليًا، والكتاب المفتوح على صفحةٍ لم أعد أستطيع قراءتها لأن بين سطورها عينيكِ. تسكنين في الصباح الذي يجيء ضبابًا، وفي الليل الذي يطيل إقامته كأنه يعرف أن لا أحد سينتظره سواي. حتى المرآة صارت تتنكّر لي؛ كلما وقفت أمامها رأيت وجهًا يشبهني، لكنه لا يعرف كيف يكون أنا من دونكِ.

 

كنتُ أظن أن الفراق مسافة، ثم عرفت أنه وطنٌ كامل من الصمت، وأن المرء قد يقطع ألف ميل ولا يبتعد، وقد يجلس بقرب من يحب ولا يبلغه. ما أبعدكِ الآن، وما أقربكِ في دمي؛ كأنكِ نجمة لا تطالها يدي، لكنها تهدي خطاي في أشدّ الليالي عتمة. أمدّ قلبي نحوكِ، فيعود مثقلًا بالانتظار، وأرسل إليكِ رسائلي مع الريح، فتعود الريح وحدها، تحمل رائحة الطرق البعيدة ولا تحمل جوابًا.

 

لمَ هذا الغياب؟ هل ضاق بكِ المكان الذي اتّسع ليومٍ واحدٍ لنا، أم أن قلبي أخطأ قراءة الصمت فحسب؟ إن كان في عتابي ما يؤلمكِ، فخذي من اعتذاري ما يليق بصفاء عينيكِ، وإن كان في محبتي ما أثقل عليكِ، فاعلمي أنني لم أتعلم بعد كيف أحبكِ بخفاء؛ فأنتِ لستِ عابرة في حياتي كي أترك لكِ مكانًا وتمضين، بل أنتِ المعنى الذي يجعل للأيام قابلية أن تُعاش، والجهة التي كلما ضللتها ضللتني.

 

لقد حاولت أن أعتاد غيابكِ، فتعلّمت أن الاعتياد ليس شفاءً، بل طريقة مهذّبة لإخفاء النزف. قلت لنفسي: سيمرّ الوقت، فإذا بالوقت يمرّ بي ولا يمرّ بكِ. قلت: ستنطفئ الذكرى، فإذا بها تصير نارًا هادئة لا تحرق إلا حين أظن أنني نجوت. وقلت: لعل القلب ينسى، فإذا بالقلب، ذلك البائس الوفي، يفتح كل مساء بابًا كان ينبغي أن يُغلقه، ويجلس عند العتبة منتظرًا قدومكِ.

 

تعالي، لا لأنني عاجز عن الحياة دونكِ، بل لأن الحياة من دونكِ تفقد موسيقاها وعذوبتها. تعالي كما أنتِ؛ بلا تفسير، بلا اعتذار، يكفيني أن تتركي عند نافذتي ظلًّا من خطاكِ، أو أن تبعثي لي كلمة واحدة، كلمة لا تقول شيئًا سوى أنكِ ما زلتِ تذكرين الطريق إليّ. سأفهمها، فأنا منذ أحببتكِ صرت أقرأ ما لا يُقال، وأسمع الصمت حين ينادي، وأرى في الغياب يدًا واضحة تشير إلى حضوركِ.

 

لمَ هذا الغياب، يا أجمل ما تركه الحضور في قلبي؟ إن كنتِ قد ابتعدتِ لتعرفي مكانكِ في روحي، فعودي، فقد عرفت. وإن كنتِ غبتِ لتختبري صبري، فقد طال الاختبار حتى صار الصبر نفسه يناديكِ. وإن كان الغياب قدرًا لا فكاك منه، فامنحيني علامة واحدة، نجمة، همسة، حلمًا عابرًا، أيّ شيء يثبت أن المسافة لا تستطيع أن تهزم ما بيننا.

 

أما أنا، فسأظل هنا؛ أرتّب الفوضى التي خلّفها رحيلكِ، وأترك لكِ في قلبي مصباحًا مضاءً، لا لأنني واثق من عودتكِ، بل لأن المحبة لا تعرف كيف تُطفئ النور حتى حين لا يأتي أحد.