لسعةُ الجمال وألمُ الشعر في ديوان "سرابُ التباريح" لنمر سعدي

رائد محمد الحواري

كاتب وناقد من فلسطين

 

العنصر الأهم في النص الأدبي إحداث المتعة في المتلقي، تحريره من بؤس الواقع، وإخراجه من الكآبة التي تثقله، فالواقع القاسي يجعلنا نبحث عن (مهدئات/ مخففات)، وعندما تثقل صدورنا بالهموم وبالمصائب، نلجأ إلى المرأة، إلى الطبيعة، إلى الكتابة/ القراءة، وإذا وجدنا  القدرة نتمرد ونثور، ديوان "سرابُ التباريح" نجد فيه جميل ما ذكرنا، المرأة الطبيعة، الكتابة/ القصيدة، التمرد، فالعنوان يجمع متناقضين، سراب/ وهم/ عدم حقيقة وجود الشدائد/ المصائب/ القسوة التي نعيشها منذ أكثر من قرن، فكيف استطاع الشاعر نمر سعدي (محو/ شطب/ إزالة) قرن من المعاناة في ديوان "سرابُ التباريح"!؟

 

أعتقد أن الجمع/ المزج بين عناصر الفرح/ التخفيف ـ المرأة، الطبيعة، الكتابة، التمرد ـ في الديوان وفي القصائد، حرَّر الشاعر من واقعه وجعله يهيم في عالم آخر ـ حتى لو كان هذا العالم من كلمات ـ فالمهم، استطاع الشاعر التحرر وتحريرنا، والخروج وإخراجنا من بؤس الواقع، وهنا تكمن ثورته/ تمرده ونجاحه في تقديم مادة أدبية ممتعة في زمن/ مرحلة من أقسى المراحل التي يمر بها الفلسطيني، فتقديم الفرح في غير ظرفه يمثل استثناء/ إبداع/ تألق وهذا ما فعله "نمر سعدي" في ديوانه "سرابُ التباريح"

 

قبل الدخول إلى الديوان نتوقف عند تنويه وضعه الشاعر: "كتبت قصائد هذا الديوان في عامين 2025 و2026" أعتقد أن مثل هذا التنويه لا يأتي من فراغ، بل لإيصال فكرة للقارئ أن ظرف/ زمن الكتابة فيه من ويلات ما لا يحتمل، لهذا لجأ الشاعر إلى التماهي مع عناصر الفرح، كملاذ أخير/ كمخلص، فالحضور الطاغي للطبيعة، للمرأة، للكتابة أراد بها الرد على قسوة الحياة ومواجهة القبح في هذا العالم، من هنا سنحاول التوقف عند شيء مما قدمه الشاعر، لتبيان جمالية اللغة والصورة والمضمون/ المعنى الذي قدمه الشاعر في الديوان، ونبدأ من فاتحة الديوان وبقصيدة "بنفسجات الملح":

"ضُمِّي يديَّ الآنَ في أبهى عراءِ القمحِ

وجهُكِ ما يقولُ الماءُ للوردِ الغريبِ

وما تقولُ النارُ للأهدابِ أو للجرحْ

عنقاؤنا احترقتْ ولكنَّ القصائدَ والرمادَ

خميرةٌ في السفحْ

والآخرونَ همُ السرابُ..

الأخرياتُ ظلالُ أحلامي التي انكسرتْ..

سنابلُ زفرتي وقصائدي وبنفسجاتُ الملحْ

حزنُ النخيلِ يضيءُ في عينيَّ ليلَ الذكرياتِ

وتفتحينَ نوافذَ الصيفِ الجميلةَ

أنتِ يا امرأةً أصابعها من الزيتونِ

تشعلُ خضرةُ الأنهارِ في يدها ضبابَ الصبح" 

 

نلاحظ أن الشاعر يفتتح القصيدة بفعل أمر: "ضُّمي" ورغم أن فعل الأمر فيه نوع من الزهو إلا أنه جاء هنا كمن يطلب/ يلجأ إلى مخلص/ رب قادر على إزالة البأس/ الضرر، لهذا وجدنا التمجيد/ التغني بصاحبة اليد التي بدت وكأنها عشتار التي تحمل معنى الخصب والحرب: "وجهكِ ما يقولُ الماء للورد الغريبِ، وما تقول النار للأهداب أو الجرحْ" إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجد أن هنا ثنائية الحياة/ الذكر والأنثى، ففي الأول قدم المذكر/ الماء على المؤنث/ الورد، وفي الثانية قدم المؤنث/ النار على المذكر الأهداب/ الجرح، وهذا (التداخل/ التشابك/ التزاوج) بينهما يقودنا إلى العقل الباطن للشاعر الذي يرى الحياة/ الكون/ البشر بهذا التشكيل، فلا حياة دونهما معا.

 

الشاعر الجيد هو الذي يعطي إشارات تقود المتلقي إلى عوالم أخرى، وهذا ما فعله الشاعر عندما أخذنا إلى الأسطورة/ إلى العنقاء/ إلى طائر الفينيق الذي يخرج من الرماد ليستعيد دوره في الحياة، لكنه هنا لا يقدم الأسطورة على (حقيقتها) على ما نعرفه، بل (يغربها/ ينفي) حقيقة فعل الانبعاث، ويجعل الكتابة/ القصائد هي الباقية والحية، وهذا (التحول) ـ إلغاء انبعاث العنقاء/ الفينيق، وتحويله إلى اللغة/ الكتابة/ القصائد ـ يقودنا إلى حقيقة تاريخية، إلى أول أبجدية في الكون، إلى أوغاريت، إلى السوري الذي عرف كيف يغير العالم من خلال اللغة، وهو بهذا (يعيدنا) من جديد إلى العنقاء/ الفينيق الذي لم نكن لنعرفه دون اللغة/ دون الكتابة/ دون القصائد/ الملاحم التي خطها بحروف (ثابتة) ما زالت حية حتى الآن.

 

إذن اللغة/ الكتابة هي الفعل الباقي والدائم والمستمر، وهو من يعطي معنى الحياة، لكن للكتابة الإبداعية شروط، منها أن تكون خارجه من قلب/ من داخل الكاتب/ الأديب/ الشاعر، وهذا ما نجده في: "سنابل زفرتي وقصائدي" فهنا تم استعاضة القسوة/ الألم ب: "سنابل زفرتي" فبدا الشاعر وكأنه (يترفع) عن استخدام ألفاظ قاسية، مؤكدا أن الأدب له لغة خاصة به وهي ما تجعله حيا باقيا إلى الأبد:

"حزن النخيل يضيء في عينيَّ ليلَ الذكرياتِ

وتفتحينَ نوافذَ الصيفِ الجميلةَ

أنتِ يا امرأةً أصابعها من الزيتونِ

تشعلُ خضرةُ الأنهارِ في يدها ضبابَ الصبحْ"

 

   اللافت في الخاتمة، اقتران الطبيعة بوجود المرأة التي تفتح النوافذ، وتمنح الشاعر متعة مشاهدة جمال الزيتون، مما جعل القصيدة تخضر وتتفتح وتضيء، وبهذا يكون الشاعر قد مزج/ جمع/ وحد بين كافة عناصر التخفيف/ الفرح، فنجد المرأة/ الطبيعة/ الكتابة/ القصيدة، ونجد التمرد في (تغريب/ نفي) أسطورة العنقاء/ الفينيق.

 

المرأة

المرأة عند بعض الشعراء تكون المُوجدة/ المُكونة لبقية عناصر الفرح/ التخفيف، "نمر سعدي" يؤكد هذا التوجه، يقول في "ضجر السنونو":

"لا شيءَ يكتبني سوى الماءِ الأنوثيِّ المعلَّقِ عندَ أطرافِ الغمامْ

لا شيءَ أكتبهُ سوى ضجرِ السنونو في نهارٍ من زجاجٍ أو رخامْ"

 

نلاحظ أن المرأة من تكتب الشاعر، فهي بمثابة الحافظة له ـ كشاعر ـ من خلال جعله يمارس فعل الكتابة، فهي من يجعله يكتب/ يكتبني، لهذا نجد ما يكتبه ـ بأثر ماء الأنثى ـ متعلق بالسماء/ بالفضاء/ بالغمام، بينما ما يكتبه الشاعر من تلقاء نفسه، أرضي فيه الضجر، وغير نابع من القلب، لأنه يُكتب دون إحساس من خلف الزجاج أو الجدار/ الرخام، فكتابته ـ دون امرأة/ أنثى كتابة جافة فيها يباس (ناشفة) لا روح فيها، أرضية، بينما الكتابة التي تأتي بأثر/ بوجود/ بحضور المرأة متألقة، محلقة في السماء.

 

الألم

جاء في "أمحو شفاهي بعشب المزامير"

"كنتُ أربِّي التباريحَ مثلَ النباتاتِ أو كطيورِ العناقِ التي سكنتْ جسدي، وردةُ الليلِ في القلبِ أم هذهِ الحربُ أدمتْ دمي؟ يا غبارَ حروبِ القيامةِ لا تقتربْ من فمي، سوفَ أرتاحُ كالحالمينِ من الشغفِ الآدميِّ، ومن قصبٍ عاشقٍ في ضلوعي، ويا امرأةَ الأزرقِ اللانهائيِّ لا.. لن أحبَّكِ حتى التعبْ"

 

نلاحظ حجم الألم/ القسوة في فكرة ومضمون المقطع، وفي الألفاظ أيضا: "التباريح، الحرب/ حروب، القيامة، لا" فرغم القسوة إلا أن الشاعر استخدم مخففات تحد من الألم، لهذا وجدناه يستخدم الصور الشعرية كعامل تخفيف: "أربِّي تباريح" يا غبارَ حروب القيامة لا تقتربْ من فمي" كما نجد التخفيف في استخدام رمزية المرأة: "يا امرأة الأزرق اللانهائيِّ" ونجد التخفيف في التناص مع قصيدة درويش "يطير الحمام": وإني أحبك حتى التعب، حيث (غرب) الشاعر المعنى ونفى الحب "لن أحبك حتى التعب" فبهذا يكون الشاعر قد نفى نفيا قاطعا إقامة أي علاقة مع النساء اللواتي يمنحن الهدوء والسكينة.

 

قسوة الشتاء

تعامل الأديب الفلسطيني مع الشتاء على أنه فصل الألم والقسوة، ويمكن أن يعود ذلك لطبيعة المخيمات/ وبيوت الصفيح (الزينكو)/ الخيم التي لم تحم ساكنيها من البرد، في قصيدة "برد" يقدم لنا الشاعر قسوة الشتاء:

"البردُ فوضى مساميرٍ تدقُّ دمي

على صليبٍ من الأمطارِ والريحِ

نارٌ من الثلجِ تعوي خلفَ نافذتي

وتطردُ الذئبَ من ظلِّ الصدى الموحي

أريدُ دفئاً أنوثيَّاً ليغمرَني

غمرَ اخضرارِ الدجى ضوءَ المصابيحِ

أريدُ شمساً لأستهدي بلهفتها

وتستضيءَ بعينيها تباريحي"

 

نلاحظ قسوة الحياة والعناصر الكونية الكامنة في مضمون القصيدة، وأيضا في الألفاظ المستخدمة: "الدجى، البرد، فوضى، مسامير، ندق، دمي، صليب، الريح، نار، تعوي، تطرد، الذئب، الصدى، تباريحي" وبهذا يصل القارئ إلى الفكرة/ المضمون بأكثر من وسيلة، لكن الشاعر الذي (يهتم) بالمتلقي يحرص على عدم إيذاء روحه بتعابير قاسية، من هنا نجد العديد من الصور الشعرية حاضرة في القصيدة، غمر اخضرار الدجى، نار من الثلج، الذئب من ظل الصدى، تستضيء بعينيها تباريحي"، كما نجد الألوان في: "اخضرار، الدجى، دمي، نار، ثلج، ضوء، شمس" التي تجمل القصيدة، وأيضا تخدم فكرتها، فهذا التنوع في الألوان يعطيها لمسة من الجمال، وأيضا يعكس أفق ونظرة الشاعر للحياة، للأمل الذي نجده في الخاتمة: "أريدُ دفئاً أنوثيَّاً ليغمرَني/ غمرَ اخضرارِ الدجى ضوءَ المصابيحِ، أريدُ شمساً لأستهدي بلهفتها/ وتستضيءَ بعينيها تباريحي" فهذه الألفاظ المتعلقة بالنور كانت بمثابة محو للدجى الذي افتتحت به القصيدة.