
رواية «رؤى» للكاتب سالم الزيدي قراءة في صراع المثقف مع السلطة والوطن
مصطفى العود
قرأت رواية «رؤى» للكاتب والمخرج سالم الزيدي وهي رواية قصيرة جداً في عدد صفحاتها لكنها كبيرة في دلالاتها وأسئلتها وما تتركه من أثر لدى القارئ وقد تأثرت بها كثيراً لأنها تذهب بنا إلى مساحة إنسانية ووطنية شديدة القرب من واقعنا العراقي وتضعنا أمام سؤال مهم يتعلق بالمثقف ودوره في المجتمع وعلاقته بالسياسة والسلطة وكيف يمكن أن يتحول الإنسان البسيط حين يكتشف المعرفة إلى شخصية مختلفة تماماً عما أراد المجتمع أن يكون عليه في هذه الرواية يبدو صراع المثقف مع السياسة واحداً من المحاور الأساسية التي تتحرك من خلالها الأحداث ولا سيما ما يتعلق بتهميش المثقف ومحاولة السلطات في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحد من تأثيره وإبعاده عن دائرة التأثير فالمثقف حين يمتلك الوعي والمعرفة يصبح قادراً على طرح الأسئلة والأسئلة في المجتمعات التي لا تحتمل النقد قد تكون أخطر من المواقف نفسها اختار سالم الزيدي شخصية «حكيم» لتكون مدخلاً لهذا العالم وحكيم في بدايات الرواية شاب مسالم بسيط لا يحب الاصطدام ولا النقاش ولا السياسة وهو ابن رجل بسيط يمتلك محلاً صغيراً ويعيش حياة متواضعة وهنا ينجح الكاتب في تقديم شخصية تبدو للوهلة الأولى عادية ونمطية لكنها في الحقيقة تمثل شريحة واسعة من أبناء المجتمع أولئك الذين يولدون في بيئات بسيطة ويفترض أن يسيروا في الطريق نفسه الذي سار فيه آباؤهم لكن دخول الأستاذ جبار إلى حياة حكيم يمثل نقطة التحول الأساسية في الشخصية فالأستاذ جبار ليس مجرد أستاذ عابر وإنما هو مثقف يمتلك الوعي والثقافة والرؤية ويستطيع أن يفتح أمام حكيم أبواباً جديدة لم يكن يعرفها فيبدأ الشاب بالقراءة والمطالعة ويبدأ وعيه بالتشكل ومع اتساع معرفته يبدأ رفضه للحياة النمطية التي كان يعيشها وهنا تتضح واحدة من أجمل الأفكار التي تطرحها الرواية وهي أن القراءة لا تمنح الإنسان المعرفة فقط وإنما تمنحه القدرة على إعادة النظر في حياته ومجتمعه ومحيطه ولهذا يرفض حكيم أن يبقى في محل والده ليس رفضاً لوالده أو لحياته البسيطة وإنما رفضاً لأن تتحول حياته إلى نسخة مكررة من حياة سبقت حياته فيتجه إلى الكتابة والقراءة والمطالعة ومن هنا تبدأ ولادة شخصية جديدة وقد أشار المدير إلى حكيم بقوله إنه كان طالباً جميلاً ذا قلم رشيق وصوت جهوري يدل على ثقافته لكن السؤال الذي تضعه الرواية أمامنا هو لماذا تحول حكيم بعد ذلك إلى شخصية عنيدة ورافضة للواقع ومثيرة للجدل وهل كان تمرده نتيجة طبيعية للوعي الذي اكتسبه أم أن المجتمع والسلطة هما اللذان دفعاه إلى هذه المواجهة ربما هنا تكمن إحدى المساحات المهمة التي يمكن أن يقرأ من خلالها المتلقي تجربة سالم الزيدي نفسه من دون أن نقول إن الشخصية تمثل الكاتب بصورة مباشرة لكن من الصعب أن لا يشعر القارئ بأن وراء هذه الشخصية شيئاً من إرث المثقف ومعاناته وأسئلته خصوصاً أن الزيدي يحمل في كتاباته اهتماماً واضحاً بالثقافة والمجتمع والإنسان والوطن ومع استمرار حكيم في القراءة والاطلاع وحمل الصحف ومناقشة الأفكار في المقاهي يبدأ الصراع الحقيقي فالشخصية التي كانت في البداية شاباً بسيطاً وهادئاً تتحول إلى شخصية تطرح الأسئلة وتناقش وتجادل وتبحث عن معنى مختلف للحياة والوطن وهنا تبدأ السلطات بمطاردته وكأن الرواية تقول لنا إن الثقافة والوعي عندما يتحولان إلى موقف قد يصبحان مصدر قلق للسلطة التي لا تريد من المواطن أن يسأل أو يناقش أو يفكر ومن خلال تطور الأحداث يتحول حكيم إلى شخصية بارزة تجيد الحوار والنقاش وتبحث عن الاستقرار الوطني وتتجاوز فكرة السياسة بمعناها الضيق إلى فكرة الوطن بمعناه الأوسع فهو لا يبحث عن سلطة ولا عن مكسب شخصي وإنما يبحث عن وطن يرى فيه الإنسان قيمة أساسية ولهذا يصبح حكيم في الرواية شخصية وطنية تتلمذت على يد أستاذها جبار لكنها لم تبق أسيرة أفكار الأستاذ وإنما طورت وعيها وخاضت تجربتها الخاصة وقد جعلتني الرواية أعيش شيئاً من أجواء العراق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ثم تنتقل بنا بعد عام 2000 إلى مرحلة السقوط والاحتلال وما تبعها من تحولات سياسية واجتماعية كبيرة وفي هذه المرحلة تظهر شخصية حكيم بوجه آخر فهو لم يعد ذلك الشاب الذي يبحث عن المعرفة فقط وإنما أصبح إنساناً يحمل موقفاً وطنياً واضحاً لا يرى في الأحزاب غاية ولا يقبل أن تكون السياسة طريقاً للمصلحة الشخصية ويرفض ما يراه فساداً أو تناقضاً بين الخطاب والممارسة وهنا تتحول شخصية حكيم من شخصية روائية إلى رمز دلالي للمثقف العراقي الذي حاول أن يبقى وفياً لوطنه رغم التحولات والضغوط فحكيم لا يمثل شخصاً عابراً في الرواية وإنما يمثل فكرة فكرة المثقف الذي يحمل إرثاً من المعرفة والوعي ويشعر أن عليه مسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه وأعتقد أن سالم الزيدي أراد من خلال هذه الشخصية أن يقول إن المثقف ليس زائداً على المجتمع وليس شخصية يمكن تهميشها أو إقصاؤها بل هو جزء من الذاكرة الوطنية وهو أحد حراس الوعي وأن الثقافة عندما تقترن بالمسؤولية يمكن أن تتحول إلى موقف وطني يدافع عن الإنسان والمظلوم والوطن إن «رؤى» رواية قليلة الصفحات لكنها واسعة المعنى ورواية لا تحتاج إلى كثرة الأحداث بقدر ما تحتاج إلى قارئ يتوقف عند الأسئلة التي تطرحها فهي ليست مجرد حكاية عن حكيم وإنما حكاية عن التحول من البساطة إلى الوعي ومن الوعي إلى الموقف ومن الموقف إلى مواجهة الواقع وما أكتبه هنا ليس دراسة نقدية بالمعنى الأكاديمي فأنا لست ناقداً وإنما هي شهادة قارئ تأثر بهذه الرواية ووجد فيها الكثير من الأسئلة التي تستحق التأمل وهي شهادة أقولها بحق عمل أدبي استطاع رغم قصره أن يفتح مساحة واسعة للتفكير في المثقف والسلطة والوطن والإنسان لقد قال سالم الزيدي في روايته وبصوت بليغ وعالٍ إن الوطن ليس شعاراً عابراً بل هو الأب والأم والذاكرة والإرث والحاضر والمستقبل وإن الإنسان حين يحمل وطنه في داخله يصبح قادراً على الدفاع عنه مهما كانت الظروف هنيئاً لسالم الزيدي هذه التجربة
