للذهاب الى صفحة الكاتب   

الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية (قبل أن يذبل القلب)

للاديبة سعاد الراعي

جمعة عبدالله

 

   الاديبة بارعة في صياغة الإبداع الروائي الحديث بكل احترافية في الشكل والمضمون, أن يحمل سمة الصدق والمصداقية, في احساس مرهف في القضايا الانسانية في عصرنا اليوم, والتعامل بكل مسؤولية في تسليط الضوء, في الحدث الروائي ليأخذ ابعاد الرمز الدال في المعنى والمغزى, في الطرح والتناول الواقعي الهادف, أن يكشف بواعث العنصرية الكريهة في بلدان اللجوء, بما يسمى الوطن البديل, وكيف يتم التعامل مع الأجنبي, لذا فأن أحداث السرد له صلة في الوجود والواقع الفعلي, ربما الخيال الفني لعب دوراً في تنسيق وترتيب الأحداث بشكل منسق على ضفاف اللغة المرهفة في التشويق والمتابعة, تكشف في سردية الحدث الروائي, أبعاد العنصرية في الحقد الأعمى والكراهية على الاجنبي واللاجئ, وما على الشخص المعني  في حمل هذه  الاحمال الثقيلة سوى الدفاع عن كرامته الانسانية ان يصمد ويتحدى حتى لا يسقط ذليلاً ومهاناً ان يحافظ على إنسانيته من المسخ والتشويه لأن مظاهر العنصرية الحاقدة ليس سلوك فردياً منعزلاً, بل هو ظاهرة عامة في المجتمع الغربي في تعاملهم مع الأجنبي, فكيف يكون الحال مع امرأة طلبت الحماية والحرية في بلد اللجوء, وأكثر فداحة عندما تكون هذه المرأة مصابة بأمراض  طبية ونفسية تتطلب العلاج الملائم لتخفيف حدة اوجاعها وان يهدء حالتها النفسية المتدهورة نحو الضعف والانهاك, لذا وجدت نفسها طريحة المصحة الطبية والنفسية للعلاج, لكنها اصطدمت في واقع غير انساني في التعامل معها من قبل المشرفين على المصحة, ولم تجد العلاج الشافي من اطباء المصحة, تعاملوا معها بعيداً جداً عن مهنة الطب الانسانية, ولم تجد سوى الاهمال والتجاهل والاساءة, بل الاحتقار الانساني مما يضاعف معاناتها, تعاملوا معها  كأنسان غريب أو منبوذ اقتحم المصحة الطبية في بلدهم عنوة, يتطلعون اليها بفضول غريب لذا شعرت داخل نفسها بأنها دخلت غابة موحشة  وليس مصحةعلاج وتضميد وتخفيف الاوجاع مرضها, فكانت عيون الموظفين والمشرفين تتطلع اليها بفضول غريب, وتلاحقها العيون الجامدة, كأنها زجاج النوافذ, والكاميرات تراقبها من كل الزوايا, كأنها تحصي دقات قلبها, باختصار كل ماهو موجود في المصحة العلاجية بالنسبة لها ليس هو خدمة تقدم بشكل انساني للجميع بعيداً عن العرق والقومية واللون والبشرة, لكن تعاملوا معها عبارة عن أنها مجرد رقم مدون في الاضبارة فقط, وجلسات العلاج بدأت عليها ثقيلة ومرهقة لا تساعدها في تخفيف اوجاعها وانتظارها لساعات طويلة حتى تدخل في جلسات العلاج, والعلاج هو عبارة عن عمل روتيني فج, مع نظرات التعالي والتجاهل, وشعرت ان هذه الجلسات عبرة عن مضيعة للوقت ومرهقة, مما يزيدها ضعفاً وانهاكاً كأنها رهينة سجن, وحتى الحبوب العلاجية لا تؤدي الهدف المطلوب, تشعر انها ثقيلة عليها, لذلك تحاول التخلص منها برميها  تحت التراب, في جولاتها الصباحية, كجزء من الصمود الصامت والرافض, اما داخل الردهة مع المرضى الاخرين, استقبلوها بالسخط والاحتجاج, كأنها تزاحمهم مكانهم في اسلوبهم العنصري الحاقد على كل اجنبي في الحقد والكراهية ولغتهم العنصرية تشعر بها كأنها سكاكين تنهش جسدها الضعيف, ولكنها في النهاية تنتفض عليهم في الكلام الموجه لهم, وشعرت ان صمتها يعني في المفهوم العنصري الكريه وعقليته, يعني تخاذلاً واستسلاماً, كرد فعل مضاد انتفظت من اجل المحافظة على كرامتها وانسايتها في وجه العنصرية الحاقدة. هذه الخطوط العامة للحدث السردي ورؤيته الفكرية عبر فصول الرواية (ثماني عشرة فصلاً/ وكل فصل يحمل عنواناً خاصاً), ان الحدث الروائي بتعبير بسيط, هو صراع بين الكرامة والانسانية ومضادها العقل العنصري المنغلق, منْ ينتصر ضد الآخر؟.

 

   ×× أحداث المتن السردي في الرواية:

 الشخصية المحورية (ندى) متزوجة تركت العراق مع زوجها, نتيجة الاضطهاد السياسي, وأسلوب الارهاب في البطش والتنكيل في تعامل النظام الشمولي مع الشعب, إبان السبعينات والثمانينات القرن الماضي, لم يعد لديهما خيار سوى نافذة الهجرة واللجوء الى المجتمع الغربي لكنها وجدت الوجه القبيح, وجه العنصرية العميا, ضد كل ما هو اجنبي, اخذت على عاتقها توفير لقمة العيش والعمل كبائعة بسيطة, تخلت عن طموحها في المواصلة في الدراسة الاكاديمية مضحية بنفسها من اجل زوجها وعائلتها, في التفرغ للدراسات الأكاديمية والحصول على الشهادة العليا, فكانت تشتغل ساعات طويلة, لكي توفر المال لزوجها حتى يصل إلى طموحه الأكاديمي رغم مرضها وضعف جسمها, في الارهاق والانهاك والمرض, لكنها واصلت عملها الشاق بروح التفاني والتضحية في سبيل زوجها حتى يحصل على الشهادة العليا, ولكنه حينما حصل على الشهادة الاكاديمية, بدلاً من ان يرد العرفان الجميل والتضحية والوفاء الى زوجته, واجهها بالجحود والانكار, والغدر والخيانة, واعتقد داخل نفسه المغرورة بالتعالي, بأنه من علية القوم وزوجته من حثالات المجتمع, بائعة بسيطة في متجر (هذا فيض من التضحية لم يقابل بعرفان يبلُّ صدى روحها, بل اصطدم بجدارٍ صلبٍ من التعالي, اذ راح الاكاديمي المرموق ينسج من خيالات غوايته الفكرية سياجاً يفصله عنها, وبات يرتجف خجلاً من مهنتها كبائعة بسيطة, متناسياً ان لقمة فخره ومداد أبحاثه, لم تكن إلا من عرق جبينها وتيبس أطرافها من عمل المتجر) ص16. لم يكن في مقدورها الاستمرار في العلاقة الزوجية, في ظل الغرور ونكران الجميل, سوى ان تطلب الانفصال والطلاق, واستجاب بدمٍ بارد, كأنه كان ينتظر هذه الفرصة الثمينة, لكي يتخلص منها. دخلت المصحة للعلاج من أوجاعها ومرضها الصعب, ناشدة العلاج الطبي, الذي يخفف من أوجاعها ويضمد جراحها من المرض, لكنها لم تجد سوى المعاملة الخشنة, ولم تجد العلاج الملائم, سوى الارهاق النفسي والانتظار للساعات طويلة حتى يسمح لها بالدخول, لتدخل غرفة المعالجة, وجدت المماطلة والتجاهل, وليس تفهم اوجاعها في غرفة المعالجة, اضافة انها وجدت نفسها ملاحقة أو مراقبة, من فضول نظرات الموظفين, عيونهم  كأنها زجاج النوافذ, لم تجد سوى الكاميرات تلاحقها في كل زوايا, كأنها تحصي دقات قلبها, لم تكن في المصحة سوى انها رقم مدون في الاضبارة فقط, والتعامل الروتيني الثقيل في الجلسات العلاجية  الثقيلة, التي يغيب عنها  التعامل الإنساني,  وحتى الحبوب الكيمياوية, لم تكن سوى زيادة هزال جسمها وضعفه, وكانت تأخذ الحبوب وتدفنها تحت التراب,  كرد فعل صامت ورافض , وكانت تخشى ان تلتقطها الطيور الجميلة (- ترى. ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة  تلك العقاقير؟ هل ستنتشي وتصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ اعلى شجواً؟ أم انها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان؟) ص57 . أما خلال وجودها في الردهة مع المرضى الآخرين, استقبلوها بنظرات مستفزة وحاقدة, تقطر بسموم العنصرية العمياء, في الحقد والكراهية وبرفض وجودها بينهم, في لغتهم العنصرية الجوفاء, والكلام المسموم الموجه لها ( - في مدينتنا صار الاجانب في كل زاوية ومكان, وهذا امر  مقيت لا استطيع تقبله أو ابتلاعه ابداً)

 ( - انهم يثيرون القرف )

 ( - روائحهم خانقة ........ اشكالهم تبعث على الاشمئزاز ) ص38 ,

( لم اتوقع ابداً ان اجد واحدة منهم تجلس بيننا )

  ( والدولة تصرف على هؤلاء , من جيوبنا وأموالنا , كل هذا الخراب بسبب السياسة الرعناء )

( وجودهم بيننا هو سبب مرضي وقلقي المزمن..... اذ لا استطيع النوم  ملء جفوني وانا اعلم ان واحدة منهم تقاسمنا هذا السقف ) ص42 .  

  (- رئيسة وزرائنا امرأة ساقطة ومنحطة, هي ومن معها من فتح أبواب  البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين, وتسبب بكل هذه الكوارث التي خربت بنيان البلاد) ص54. وجدت (ندى) نفسها في مناخ مكهرب بالعنصرية وبلغتها المسمومة, وان صمتها لن يجدي نفعاً, بل يعتبرونه ضعف واستسلام, ويتمادون عليها أكثر في استغلال صمتها, فلابد أن تدافع عن كرامتها وانسانيتها, في هذا المناخ  الموبؤ بالكراهية والحقد, لابد ان تنتصر لكرامتها وان تصون إنسانيتها, لهذا مزقت صمتها, لذلك اعتدلت في جلستها وانتفضت عليهم, موجهة  كلامها اليهم ( - كنت أظن أنكم بفطرتكم فهمتم ما الذي كنت أرمي إليه, وانكم  أدركتم ما يعني صمتي, وتحفظي الطويل, أن يعيد أحدكم النظر فيما قاله من حماقات, أو يشعر بأدنى درجات الحرج, حتى لو صاغه  في اعتذار عابر, من باب المجاملة الاجتماعية..  ظننت أن واحداً منكم على الأقل سيسأل نفسه في خلوته. ماذا لو كنت أنا الغريب في بلادهم؟) ص48. شعرت بالارتياح الروحي, كأن حملاً ثقيلاً ازاحته عن روحها, وسط الوجوم ودهشة الحاضرين داخل الردهة, لم يتوقعوا هذا الرد وهذا الكلام, الذي وضع العنصرية في دائرة الاتهام, لقد تكلمت بلغة المعاناة من امرأة خمسينية, تكلمت بصراحة, وبحرقة الإنسان المظلوم (امرأة خمسينية تتكلم بحرقة الإنسان لا يطالب إلا بحقه البديهي في ان يعامل بآدمية, فيما الآخرون يرمقونها بنظرات مستفزة كما لو تجاوزت حدود الدور الهامشي المرسوم لها في سيناريو الحياة) ص48, وخلال تجوالها الصباحي الى الشاطئ وجلوسها في المقاهي لارتشاف القهوة الصباحية. تعرفت على رجل (مايك) بدأ الحديث والحوار بينهما, وعرفت منه سبق وان جرب الزواج, لكنه فشل بعد ذلك, كان متفهماً لدور الإنسان وقيمته وسلوكه المستقيم في المجتمع, وجدت فيه الرأفة والعاطفة الانسانية, فكان التجاذب الروحي بينهما ينمو الى العلاقة المتينة, وجدت فيه راحة روحية من الوحدة والانعزال, فقدت دأبت على عدم  الحضور في الاجتماعات التي تعقد في قاعة المصحة, لأنها وجدت فيها مملة وثقيلة, وكموقف رافض  بغيابها, لكن مع (مايك) انفتحت أساريرها. وتوقد قلبها في انوار الحب, وتكررت اللقاءات الحميمة بينهما, وزاد التعارف أكثر بينهما, وتعمقت العلاقة والارتباط الوثيق  بينهما, وجدت بوجوده راحة نفسية وروحية, تجعلها تنسى معاناتها في المصحة, وفي احدى اللقاءات, طلب (مايك) ان يزورها في المصحة, وعبر عن رغبته الشديدة بذلك, فرفضت في لسانها لكن قلبها يود ذلك ( - لا يا مايك.... لا ارغب بذلك) ثم واصلت كلامها ( - لم يبق على انهاء العلاج سوى أسبوع واحد أو اسبوعين على الاكثر.... وبعدها سأكون معك, لذلك ارجوك ان لا تتعب نفسك بعناء الرحلة) ص100. ولكن بعد اسبوع اخبرها احد المشرفين على قاعة الاستقبال, بأن هناك رجلاً جاء لزيارتها, وموجود في قاعة الاستقبال مع الزائرين, حضرت نفسها لهذه المفاجئة السعيدة, ودلفت الى داخل القاعة وجدت (مايك) ينتظرها هناك, هرعت إليه بحرارة والشوق واحتضنته, وغرقا في القبل الطويلة وسط دهشة وذهول الحاضرين, ثم بعد ذلك, اخرج من جيب معطفه الداخلي, علبة حمراء صغيرة, وركع على قدميه وخاتم الماس يلمع بين يديه, وقال بعاطفة جياشة ( - حبيبتي ندى... هل تقبلينني زوجاً مخلصاً وشريكاً لايامك؟ رجلاً لا يريد من الدنيا سوى ان يحيا بقربكِ, وان يشيخ ويموت بين ذراعيكِ؟) ص105 . بكت في تلك اللحظة الحرجة بشدة, كأن اطياف الرحمة والخلاص تدوران حولها, وقالت بصوت متهدج ومرتبك, تحاول ان توصل كلمة (نعم) الى سمعه, وفي اعماق شعورها ترفرف  كالطائر بجناحيه في الفضاء, بأن حلمها وخلاصها من المعاناة, ومن سنوات العجاف الطويلة, اصبح حقيقة تمشي على الارض ( - تحملت كل شيء عاصف هناك.... لانني كنت اريد أن اصل الى هذه اللحظة بالذات.... أن اعيش ما تبقى من عمري كما اريده أنا, لا كما تمليه وتفرضه نوائب الحياة علينا عنوة) ص129, وبعد اسبوع حاولت المصحة تعطيل وتأخير خروجها, ليس مع الاخرين الذين سوف يغادرون المصحة, ولكن اصرارها وعنادها, ان تخرج مثل الاخرين, وفي الاخير رضخت المصحة الى طلبها وخرجت مع الاخرين, رغم ان اسمها كان آخر الاسماء, ركبت الحافلة لتنطلق الى (مايك) الذي ينتظر باحر من الجمر, وحين وصلت اليه, زغرد بفرح وبهجة ( - واخيراً... اخيراً  أنتِ بين يدي.... معي.. اجل معي, وفي حماي ) ص127 , وترد عليه بلهفة حارة ( - اخيراً  يا حبيبي.... أنا معك ولن يحتجب فجرنا) . ونطلقا الى رحلة الحرية والسعادة, بعد صبر عسي , وفي الاخير هلهت بالانتصار .

        جمعة عبدالله