للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب- (5) كيف أنتِ ونحن غياب، هل حالنا واحد؟

صالح مهدي محمد

 

 

إلى التي لا أعرف أين تنتهي المسافة بيني وبينها، ولا أين يبدأ حضورها في غيابي…

 

كيف أنتِ؟ وكيف حال قلبكِ حين يمرّ المساء من نافذتكِ ولا يجدني جالسًا في الجهة التي اعتاد أن يراني فيها؟ هل ما زالت قهوتكِ تحتفظ بحرارة يدي، أم أن الفنجان تعلّم أن يكون مِثْلِي جَلِيدًا؟ هل تلتفتين، كما أفعل، كلما سمعتِ وقع خطواتٍ تشبه خطاي، ثم تعودين إلى صمتكِ كأنكِ لم تكوني تنتظرين أحدًا؟ أخبريني، هل يمرّ طيفي في خاطركِ عابرًا، أم أنه يستقرّ هناك كما استقرّ عطركِ في دمي، لا يطلب إذنًا ولا يعرف الرحيل؟

 

كيف أنتِ ونحن غياب؟ هل حالنا واحد، أم أن لكلٍّ منا ليلًا مختلفًا، وإن كانت الظُّلْمَةُ واحدة؟ أتراكِ تنامين بسهولة، أم أن وسادتكِ تحفظ الأسئلة التي لا تجدين لها جوابًا؟ هل يطول بكِ السهر لأنكِ تشتاقين، أم لأن شيئًا في داخلكِ لم يعد يعرف كيف يطمئن؟ أما أنا، فقد صرت أستعير من الليل عينيه، كي أراكِ في كل ما لا يُرى، وأستعير من الصمت لسانه، كي أقول لكِ ما عجزت الكلمات عن حمله.

 

أحيانًا أظنّ أننا لم نفترق، وأن الغياب ليس إلا حيلة اخترعتها الأيام لتضع بيننا مرآة؛ كلما نظرتُ فيها رأيتكِ، وكلما نظرتِ فيها رأيتِني، لكننا لا نلتقي إلا في الجهة الأخرى من الزجاج. وأحيانًا أظن أنني أمشي في حياتكِ مثل ظلّ لا يملك جسدًا، وأنكِ تمشين في حياتي كضوءٍ لا يملك شمسًا، ومع ذلك لا يستطيع أحدنا أن ينكر أن الآخر كان هنا، وأن شيئًا من ملامحه ما زال عالقًا في الأشياء.

 

هل حالنا واحد؟ هل تضعين يدكِ على قلبكِ حين يضطرب، كما أفعل، وتقولين له: اصبر، إنها مجرد ذكرى؟ وهل تخونكِ ذاكرتكِ كما تخونني؛ فتفتح أبوابًا أغلقتها، وتوقظ أصواتًا دفنتها، وتعيد إلى الطاولة مقعدين كان يكفيهما حضور واحد؟ أنا لا أذكر أنكِ كنتِ تجلسين قبالتي، بل أذكر أن العالم كان يجلس بيننا، صامتًا، يستمع إلى نظرة منكِ فتتغير هيئة الوقت.

 

لقد تعلّمت منذ غيابكِ أن للأشياء وجوهًا خفية؛ فالنافذة ليست نافذة، إنها احتمال، والطريق ليس طريقًا، إنه وعدٌ مؤجل، والليل ليس ليلًا، بل رسالة طويلة لم تجد طريقها إلى الصباح. حتى المطر لم يعد ماءً يهبط من السماء؛ صار أصابعَ كثيرة تطرق سقف قلبي، وتسألني عنكِ. والريح، كلما مرّت بي، لم تكن ريحًا، بل رسولًا تَائِهًا يحمل رائحة الأماكن التي ربما مررتِ بها، ثم ينسى أن يحمل جوابكِ معه.

 

كيف أنتِ؟ هل استطعتِ أن تملئي يومكِ بما يكفي كي لا يتّسع لغيابي؟ أم أن الغياب، مثلي، لا يحتاج إلى مكان كي يحضر؟ ربما تضحكين بين الناس، ويحسبون أن الفرح أقام فيكِ، بينما تخبئين في أعماقكِ غرفة لا يدخلها أحد، غرفة معلّقة على جدارها صورة لا تريدين النظر إليها، لأن النظر إليها اعتراف، والاعتراف بداية سقوط الأقنعة. وأنا أيضًا أضحك، لا لأنني بخير، بل لأن الحزن حين يطول يصبح بارعًا في ارتداء ملامحنا.

 

هل تذكرين آخر حديث بيننا؟ أنا لا أذكر كلماته كلها، لكنني أذكر المسافة التي ولدت بعدها، أذكر أن شيئًا انكسر في الهواء ولم ينحنِ أحد ليلتقطه. لعلنا قلنا ما لا نعني، أو سكتنا عمّا كان ينبغي أن يُقال. لعل الكبرياء وقف بيننا كحارسٍ أحمق، ومنع قلبين يعرف كل منهما الطريق إلى الآخر من العبور. ما أغربنا؛ نملك القدرة على قطع المسافات إلى الغرباء، ونخشى خطوة واحدة نحو من نحب، كأن الاقتراب اعتراف بالضعف، وكأن المحبة لا تكون جميلة إلا إذا بقيت بعيدة، معلّقة بين الرجاء والخوف.

 

إن كنتِ بخير، فليكن خيركِ واسعًا بما يكفي ليصل إليّ، وإن كنتِ متعبة، فليتعب عنكِ هذا القلب الذي لم يعرف كيف ينسى. لا أطلب منكِ عودةً كاملة، ولا وعدًا يقيّد أيامكِ، أريد فقط أن أعرف أن ما كان بيننا لم يتحوّل إلى رماد، وأنكِ حين تقولين اسمي في سرّكِ لا تشعرين أنه غريب. أريد أن أعرف أن الغياب لم يمحُنا، بل أخفانا قليلًا عن العالم، كما تختبئ النجوم في النهار دون أن تنطفئ.

 

كيف أنتِ ونحن غياب؟ هل حالنا واحد، أم أنني وحدي ما زلت أضع لكِ مقعدًا في كل انتظار، وأترك في قلبي بابًا لا أغلقه مهما طال الطريق؟ إن كنتِ قد وجدتِ سلامكِ بعيدًا عني، فلا تعودي بدافع الشفقة؛ يكفيني أن تكوني بخير، حتى لو كان خيركِ في جهة لا أصل إليها. أما إن كان في قلبكِ، مثلي، طائرٌ يضرب جناحيه على جدار الصمت، فتعالي، ليس لأننا لم نتألم، بل لأننا تألمنا بما يكفي لنعرف قيمة اليد التي تمتدّ في الوقت المناسب.

 

أنا هنا، كما تركتِني، لكنني لست كما كنت. علّمني غيابكِ أن الحب ليس امتلاكًا، بل إصغاءٌ طويل لما لا يُقال، وأن العاشق لا ينتظر الحضور وحده، بل ينتظر علامة تؤكد أن غيابه كان مرئيًا في قلب من أحب. فإن كنتِ تسمعين الآن هذا النداء الذي لا صوت له، فاعلمي أنني لم أسألكِ: كيف أنتِ؟ لأعرف أخباركِ فقط، بل لأعرف إن كنتِ، مثلي، ما زلتِ تحاولين النجاة مِنْ كِلَيْنَا… أم أنكِ نجوتِ فعلًا.