
عكد النصارى… حين تصبح الأزقة وطناً للذاكرة : قراءة بين الاسطر
اعداد كمال يلدو
تشرين أول ٢٠٢٦
في رواية «عَكد النصارى – ذاكرة لا تغادر الأزقة» لحسن شاكر عزيز، لا ندخل إلى حيّ بغدادي قديم بقدر ما ندخل إلى ذاكرة إنسان ظل يحمل بغداد معه أينما ذهب. منذ الصفحات الأولى يبدو المكان وكأنه بطل من أبطال الرواية؛ الأزقة، المقاهي، المدارس، شارع الرشيد، شارع النهر، الشورجة، دجلة، البيوت ذات الشبابيك القديمة، وحتى الحافلة الحمراء ذات الطابقين، جميعها تتحول إلى شواهد على زمن رحل، لكنه لم يرحل من القلب.
تبدأ الحكاية مع حسين شكور العائد بعد غياب طويل، يسير في الأماكن التي عرفها طفلاً وشاباً، لكنه يجدها وقد تبدلت، فيبحث بين الوجوه والجدران عن صور أحبته. لا يجد من الماضي إلا روحه التي ما تزال، كما يقول النص، تنتقل «من زقاق إلى آخر ومن بيت إلى آخر». وهنا تتضح منذ البداية ثيمة الرواية الأعمق: إن الإنسان قد يغادر المكان، لكن المكان لا يغادر الإنسان.
ومن خلال ذاكرة حسين تنفتح أبواب الماضي، فنلتقي سعود شاكر، الشخصية التي تحتل قلب الرواية. نراه طفلاً يلهو مع رفاقه في أزقة عكد النصارى، يطير الطائرات الورقية فوق أسطح بغداد، ويسبح معهم في دجلة، ويعيش حياة بسيطة ممتلئة بالمغامرات الصغيرة والصداقات الصادقة. إن أجمل ما في هذه الصفحات أنها لا تستعيد طفولة أشخاص بعينهم فقط، بل تستعيد طفولة جيل كامل عاش بغداد عندما كانت الأزقة امتداداً للبيوت، وكان الجيران يعرف بعضهم بعضاً، وكانت الصداقة تبدأ عند باب المنزل وقد تستمر حتى نهاية العمر.
وفي قلب هذه الذكريات تنمو واحدة من أكثر خيوط الرواية دفئاً وحزناً: قصة الحب بين سعود وليلى. بدأت العلاقة منذ الطفولة؛ يسيران معاً إلى المدرسة، تتشابك أيديهما الصغيرة، ثم يكبران ويكبر الحب معهما بهدوء حتى يصبح جزءاً من وجودهما. لا يقدم الكاتب هذا الحب بوصفه نزوة عابرة، بل باعتباره ألفة عمر، وذاكرة مشتركة تشكلت في الأزقة نفسها التي تشكلت فيها شخصيتاهما.
لكن بغداد التي منحت الاثنين طفولتهما وحبهما، تدخل مع الزمن في دوامة الخوف والقمع والصراع السياسي. يتحول سعود شيئاً فشيئاً من شاب يهتم بالرياضة والحب والأصدقاء إلى إنسان منشغل بالعدالة والحرية ومواجهة السلطة. ويتسع عالمه من الزقاق والمقهى إلى السياسة والملاحقة والاختفاء، حتى تصبح مغادرة العراق بالنسبة إليه ورفاقه وسيلة للنجاة.
مشهد وداع سعود وليلى في محطة القطار من أكثر مشاهد الرواية رقة وقسوة. يرحل سعود، فيما تركض ليلى خلف القطار محاولة الاحتفاظ بصورة وجهه لأطول لحظة ممكنة. يحمل معه منديلها، وتبقى هي تحمل ذكراه. وحين يبتعد القطار، يبدأ الفراق الحقيقي: هي في بغداد، وهو يسير نحو مصير مجهول.
لا تتعامل الرواية مع الغربة على أنها مجرد انتقال جغرافي؛ الغربة هنا اقتلاع. ولذلك يتساءل حسين، بعد سنوات طويلة، عن مصير ليلى: هل استطاعت أن تحب بعد سعود؟ وهل عرفت أنه رحل إلى الأبد؟ وهل يستطيع الزمن فعلاً أن يشفي مثل هذه الجراح؟ ثم يربط فقد الحبيب بفقد الوطن والأهل والأصدقاء، وكأن كل أشكال الفقد تنتمي إلى جرح إنساني واحد.
وتقود الأحداث سعود إلى طريق أكثر قسوة، حتى ينتهي به المطاف مقاتلاً بعيداً عن بغداد. وفي مواجهة أخيرة يدرك أن إصابته لا تسمح له بالانسحاب، فيطلب من رفيقيه النجاة، ثم يلقى حتفه بعيداً عن مدينته وأهله وليلى. وحتى في لحظاته الأخيرة يبقى منديل ليلى حاضراً، وكأن الحب الذي بدأ في زقاق بغدادي صغير ظل يرافقه حتى آخر الطريق.
لكن الكاتب لا ينهي الرواية بالموت. ففي الصفحات الأخيرة يذهب حسين وحاتم وعلاء إلى قبر سعود في أربيل. وبينما يقفون أمامه تظهر امرأة متقدمة في العمر، ذات شعر اختلط فيه البني بالأبيض، تضع إكليلاً من الزهور على القبر وتمسح دموعها، ثم تقرأ الفاتحة وتنصرف. يحاول حسين اللحاق بها، لكنها تختفي بين الجموع. لا يقول الكاتب صراحة إنها ليلى، لكنه يترك للقارئ أن يتعرف إليها بقلبه.
وهنا تكمن رقة خاتمة «عكد النصارى»: فقد تغيرت الوجوه، وهدمت أمكنة، وتفرقت العائلات، ومات أصدقاء، وابتلعت الغربة سنوات طويلة من الأعمار، لكن شيئاً واحداً بقي عصياً على الزوال: الذاكرة.
لهذا تبدو الرواية في جوهرها أكثر من حكاية حب أو سيرة أصدقاء؛ إنها مرثية دافئة لبغداد التي كانت، وللناس الذين عبروا أزقتها ثم تركوا فيها شيئاً من أرواحهم. وعكد النصارى في الرواية ليس مجرد اسم لزقاق قديم، بل وطن صغير تختبئ فيه الطفولة والحب والصداقة، وتعود إليه الروح كلما أتعبتها المنافي.
اعداد: كمال يلدو
تشرين أول ٢٠٢٦
