للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب (6)- أنا وأنتِ نكتب تاريخ العشق

صالح مهدي محمد

 

حبيبتي،

كلما هممتُ أن أكتب إليكِ، شعرتُ أن اللغة تقف طويلًا أمام ما أريد قوله، كأن الحروف نفسها تعرف أن بين يديها حكايةً أكبر من قدرتها على الاحتواء. أفتح الصفحة، أضع اسمكِ في أول السطر، ثم أتريث؛ لأن اسمكِ وحده يوقظ في داخلي صفحاتٍ كثيرةً ظلت مطويةً، تنتظر يدًا تعرف كيف تفتحها.

منذ حضرتِ إلى أيامي، تغيّر شكل الكتاب الذي أريد أن يؤرّخ حياة عشقنا؛ صار لكل سطرٍ نبضه، ولكل فاصلةٍ انتظارها، ولكل صفحةٍ حكاية، وصارت يدانا معًا تمسكان بقلمٍ واحد، يكتب ما تعجز الأيام عن قوله.

كأن يدًا خفيةً أعادت رسم الفصول، وأشارت إلى موضعٍ جديد وقالت:

هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى.

ومنذ ذلك اليوم، وأنا أشعر أنني أقرأ حياتي للمرة الأولى.

الأشياء التي كانت تمرّ أمامي عاديةً صارت تحمل هوامشَ جديدة.

الصباح يجيء كصفحةٍ بيضاء تنتظر خطوتكِ الأولى، والمساء يطوي أطرافه ببطء، كأنه يريد أن يترك لنا مساحةً أطول للحديث. حتى الطريق الذي أسلكه كل يوم صار يحتفظ في منعطفاته ببعض ملامحكِ؛ كأن المدن تحفظ الذين مرّوا في أرواحنا أكثر مما تحفظ أسماء شوارعها.

أنتِ لم تدخلي حياتي كحدثٍ عابر.

دخلتِ إليها كجملةٍ غيّرت معنى الفقرة كلها.

وحين أتأمل ما قبل حضوركِ، أشعر أنني كنت أكتب مسودةً طويلةً دون أن أعرف عنوان الكتاب.

ثم جئتِ.

فاستقام العنوان.

وصارت للصفحات جهة.

وصار للانتظار معنى.

وصار للغد موعدٌ يستحق أن نصل إليه معًا.

حبيبتي،

ثمّة أشياء فيكِ لا أستطيع اختصارها في وصف.

ابتسامتكِ، مثل توقيعٍ يأتي في نهاية رسالةٍ طويلة، فيمنحها معناها الأخير.

صوتكِ، كحاشيةٍ صغيرةٍ على صفحةٍ مزدحمة، لكنها تكشف للقارئ سرّ النص كله.

عيناكِ، نافذتان على فصلٍ لا أريد الوصول إلى نهايته.

وحين تنظرين إليّ، أشعر أنني أقف أمام الصفحة التي كنت أبحث عنها طويلًا دون أن أعرف شكلها.

لهذا أحب وجودكِ في تفاصيل يومي.

أحب أن تكون رسائلكِ بين أوراق نهاري.

أن يأتي صوتكِ في منتصف التعب فيغيّر نبرة الساعات.

أن أسمع اسمكِ فجأةً، فأشعر أن شيئًا في داخلي انتبه بعد غفلة.

وأحب أن تصلني منكِ كلمةٌ صغيرة، فتترك في نهاري أثرًا أكبر من مساحتها.

أحيانًا أتساءل:

كيف استطاعت امرأةٌ واحدة أن تغيّر هذا القدر من ملامح الأشياء؟

ثم أجد الجواب فيكِ.

أنتِ لم تغيّري الأشياء نفسها؛ غيّرتِ الطريقة التي أقرأها بها.

وهذا أجمل ما منحني إياه حضوركِ.

لقد علمتِني أن التفاصيل الصغيرة تكتب الفصول الكبرى.

أن سؤالًا بسيطًا مثل: «هل وصلتِ؟» يحمل في داخله خوفًا جميلًا عليكِ.

وأن كلمة «انتبه لنفسك» قد تكون أطول من قصيدة.

وأن الصمت بين شخصين يعرف أحدهما مكان الآخر يمكن أن يكون رسالةً مكتملة المعنى.

أنا وأنتِ نكتب تاريخ العشق بهذه التفاصيل.

نكتبه كلما التقينا، وكلما افترقنا قليلًا ثم عادت المسافة بيننا إلى حجمها الطبيعي.

نكتبه في النظرة التي تتأخر لحظةً عن موعدها.

في اليد التي تبحث عن يدٍ تعرفها.

في الاشتياق الذي يظهر فجأةً وسط حديثٍ عادي.

في تلك اللحظات التي يصبح فيها وجود أحدنا كافيًا كي يشعر الآخر أن العالم أخذ هيئةً أكثر احتمالًا.

نحن نصنع حكايتنا من التفاصيل التي تبدو صغيرةً في أعين الآخرين، بينما نعرف نحن أنها الحبر الحقيقي الذي يثبت ما بيننا.

يكفينا أن نكتب يومًا جديدًا، ثم نضعه بهدوء إلى جانب الأيام السابقة.

صفحةً بعد صفحة.

تفصيلًا بعد تفصيل.

حتى يصبح ما بيننا كتابًا لا يستطيع أحد أن يعرف بدايته بدقة؛ لأن بعض القصص تبدأ قبل اللقاء، وتظل تكتب نفسها بعده.

حبيبتي،

أريد لهذا الكتاب أن يكبر معنا.

أريد أن تمرّ السنوات على صفحاته فتزيدها عمقًا، كما تزيد يد الكاتب النصَّ خبرةً كلما عاد إليه.

أريد أن نكبر ونحن نحتفظ بدهشة البداية.

أن تبقى ابتسامتكِ قادرةً على إرباك يومي الجميل.

أن تظل نظرتكِ قادرةً على إيقاف حديثي في منتصفه.

أن أجلس إلى جواركِ بعد أعوامٍ طويلة، فأشعر أنني أمام الصفحة الأولى نفسها، وأن شيئًا في داخلي ما زال يتهجّى اسمكِ للمرة الأولى.

أتخيلنا بعد سنوات.

وقد أخذ الزمن من وجوهنا بعض ملامح الشباب، وأضاف إلى أيامنا حكاياتٍ كثيرة.

سننظر إلى الوراء، فنجد أن أجمل ما كتبناه كان تلك التفاصيل التي بدت صغيرةً وقتها.

صباحٌ بدأ بكلمة.

مساءٌ انتهى بابتسامة.

طريقٌ جمع خطوتين.

موعدٌ تأخر قليلًا ثم جاء أجمل مما توقعناه.

رسالةٌ قصيرةٌ أنقذت يومًا طويلًا.

يدٌ امتدت في الوقت المناسب.

وكتفٌ وجد فيه أحدنا متسعًا لتعبه.

تلك هي صفحاتنا الحقيقية.

وهكذا، يا حبيبتي، أريد أن نكتب.

بهدوءٍ يشبه يقين الحبر حين يعرف طريقه إلى الورق.

وبشغفٍ يجعل كل صفحةٍ قابلةً لأن تكون بدايةً جديدة.

وبصدقٍ يجعل الكلمات تعيش بعد أن تنتهي من أفواهنا.

أنا وأنتِ نكتب تاريخ العشق، لكننا نكتبه بطريقتنا.

نكتبه من التفاصيل التي لا يراها الآخرون.

من الارتباك الجميل في اللقاء الأول.

من الطمأنينة التي تأتي بعد طول انتظار.

من السؤال الذي يخفي خلفه اهتمامًا كبيرًا.

من الصمت الذي يقول أكثر مما تستطيع الجمل قوله.

من تلك المسافة الصغيرة بين يدين حين تقتربان، فتبدو الدنيا كلها كأنها تنتظر اكتمال السطر.

وأنا حين أكتب إليكِ الآن، أعرف أن هذه الرسالة صفحةٌ واحدة من كتابٍ طويل.

وربما كانت أجمل صفحاته تلك التي لم نكتبها بعد.

فالسنوات المقبلة تحمل أقلامها في انتظارنا.

والأيام تترك في أيدينا مساحاتٍ جديدة.

والحكاية ما زالت مفتوحةً على فصولٍ كثيرة.

كل صباحٍ قادم صفحة.

كل لقاءٍ فصل.

كل اشتياقٍ هامشٌ يضيء المعنى.

كل مصالحةٍ عنوانٌ جديد.

كل لحظةٍ نختار فيها بعضنا من جديد، توقيعٌ آخر تحت النص.

وحين نصل ذات يوم إلى الصفحة الأخيرة، أريد أن نكتشف أننا كتبنا كثيرًا، وعشنا أكثر، وأن الحكاية التي بدأت بين رجلٍ وامرأةٍ صارت ذاكرةً كاملةً لا تشبه سواها.

عندها سأضع يدي على آخر سطر، وأكتب اسمكِ بهدوء.

ثم أترك الصفحة مفتوحة.

لأن بعض الكتب الجميلة تستحق أن تظل نهاياتها معلقةً في جهةٍ من الغد.

حبيبتي،

هذه أوراقي إليكِ.

أتركها بين يديكِ كما يترك الكاتب مخطوطه أمام القارئ الوحيد الذي يثق بأنه سيفهم ما بين السطور.

اقرئيها كما تشائين.

توقفي عند ما يعجبكِ.

ابتسمي عند ما يشبهكِ.

وضعي يدكِ على الصفحات التي تشعرين أنها كُتبت من أجلكِ.

أما أنا فسأظل أكتب.

لأن أجمل ما حدث لهذه الحكاية أنها وجدت قارئتها.

وأجمل ما حدث لي أنكِ صرتِ الصفحة التي كلما وصلتُ إليها، رغبتُ في أن أبدأ الكتاب من جديد.

أنا وأنتِ...

نكتب تاريخ العشق، صفحةً بعد صفحة، حتى يصبح العمر كله مخطوطًا باسمينا.