للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصيدة/ أرشيف الرصيف

صالح مهدي محمد

 

(١)

هنا،

حيث تنام الخطى على حجر بارد،

يبدأ الأرشيف.

لا غلاف له،

ولا تاريخ نشر،

فقط اتساع رمادي

يبتلع الأحذية واحدًا واحدًا.

الرصيف لا يكتب،

لكنه يتذكر.

كل خدش عليه

جملة ناقصة

من سيرة عابر.

 

(٢)

جاء طفل يركض،

ترك أثرًا خفيفًا

كأنه فاصلة

في نص لم يُكتب بعد.

ضحكته سقطت هنا،

بين شقين في الإسمنت،

ولم يلتقطها أحد.

الرصيف احتفظ بها

كما يحتفظ العجوز

بصورة قديمة

لا يعرف أصحابها.

 

(٣)

امرأة تحمل كيس خبز،

رجل يتحدث وحده،

كلب يسرع من مطارد،

بائع يغطي بضاعته جراء المطر

كلهم مرّوا،

كلهم تركوا

سطرًا واحدًا

في هذا الديوان الحجري.

لا أحد يقرأ الرصيف،

لكن الرصيف

يقرأ الجميع.

 

(٤)

هنا وقف عاشقان،

ثم افترقا.

بقي مكان القدمين

متجاورًا،

كأن الانفصال

لم يخبر الحجر بعد.

الرصيف لا يصدق الوداع

إلا بعد أن يبرد الأثر.

 

(٥)

جزء من الأرشيف مُحيَ،

سحقته عجلات شاحنة،

أو غسله مطر متأخر.

لا بأس،

فالذاكرة الحجرية

لا تكتمل أبدًا،

كأي أرشيف حقيقي.

النقص هنا

هو الدليل الوحيد

على أن شيئًا ما

كان حيًّا فعلًا.

 

(٦)

في الليل،

يتوقف الأرشيف عن الاستقبال،

يغلق أبوابه غير المرئية،

ويكتفي بضوء عمود بعيد

يقرأ لنفسه

ما جمعه في النهار.

الرصيف، في الليل،

مؤرشف

يراجع سطوره

دون أن يصحح شيئًا.

 

(٧)

لن تجد في آخر هذا الأرشيف

اسم مؤلف،

ولا إهداء،

ولا تاريخًا للطبعة الأخيرة.

فالرصيف

يُكتب كل يوم من جديد،

ويُمحى كل ليلة،

وأنت،

حين تمشي الآن،

تضيف سطرك

دون أن تدري

أنك للتو

نشرت شيئًا

لا يُنسى.