
بعدك على بالي... حين تعيدنا التفاصيل إلى الغياب
نوال عايد الفاعوري
هناك بعض الأشياء التي لا تنتهي بانتهائها، حتى وإن اعتقدنا أنها قد انتهت.
وبتفاصيل أكثر دقة، تظل أطيافها تلاحقنا، فلا تنصرف عنا أبدًا، وتبقى عالقة بين أهدابنا، تداعب أحلامنا حين نظن أننا تجاوزناها.
إنها التفاصيل الصغيرة التي لا يتذكرها سواك تلك النقوش البارزة على كوب ارتشفت منه بضع رشفات في أمسية أمضيتها هناك، أو ذاك المذاق الذي ظل عالقًا بشفتيك لسنوات طويلة، وتعاود تذوقه كلما تذكرت طيفًا ما.
إنه ذاك العطر الذي يداعب حواسك في لحظة ما، فتسارع إلى الالتفات من حولك، باحثًا عن شخص دخل القاعة، لتكتشف أنك وحدك، وأن العطر قد جاء من مدن الحلم البعيدة، ليذكّرك بأنك لم تنس يومًا، وبأن ما كان لم ينته أبدًا.
في ليلة شتاء باردة، كان المطر ينقر على النوافذ كأصابع حزينة، وكان البرد يتسلل من تحت الأبواب. ذهبت إلى مقهى بعيد لا يعلم أحد عنه شيئًا، لكن جدرانه تعرف عنا كل شيء، لأترك رسالة في أحد شقوقها، لعلك تجدها يومًا إذا ما أخذك الشوق إلى ذكريات جمعتنا ذات يوم.
لا أنتظرك، لكنك تعود لتهزمني مع كل تفاصيل يومي الصغيرة...
مع فنجان قهوتي...
مع فيروز...
"وبعدك على بالي، يا قمر الحلوين، يا زهرة تشرين، يا ذهبي الغالي..."
بعدك على بالي...
بعدك على بالي...
مع دخان سيجارة رجل ما يدخن أمامي...
مجرد تفاصيل أخرى تضاف إلى الذاكرة، تحمل بين سطورها طيفك الذي يزداد احتلالًا لي، ويزداد استيطانًا في أرض روحي.
اشتقت إليك بكل شيء فيك بثورتك، وجنونك، وغضبك، وهدوئك، ووجعك.
صوتك ما زال يناديني، وأنت ما زلت هنا... في مكان ما قريب مني، حتى وإن فرقت بيننا المسافات.
اشتقت إليك... فهل اشتقت إليّ؟
أم أنك لم تعد تذكرني؟
هل ما زلت تتذكر تلك الأيام التي جمعتنا؟
أم أنها تلاشت من ذاكرتك؟
هل ما زلت تحمل في قلبك ما كنت تحمله يومًا، أم أن تلك المشاعر تآكلت بفعل الغياب؟
يسري الحنين في عروقي، ليحتل جسدي ويستوطن روحي.
لا يزال صندوق الذكريات هناك، في مكان بعيد، أخشى أن أقترب منه رغم كل الحنين إليه.
كل طرقات قلبي مظلمة، صامتة، مهجورة، تبللها قطرات المطر الباحثة عن أرض تستقر عليها.
كل شيء في تلك الطرقات أنتمي إليه، وأشعر بالألفة معه.
كل شيء هنا يذهب ويعود، إلا أنت...
لا تزال مجرد طيف لا يستقر في مكان.
كل الأشياء معًا، إلا نحن لا نزال بلا وطن يجمعنا.
يفتقدك الشتاء، حيث كان لنا ألف وعد وموعد.
لم أستطع يومًا التخلص منك، ولا من طيفك، ولا من رحيلك الصامت ورحيلي الصاخب.
انسحبت أنت في هدوء، وغادرت أنا في ثورة.
كذبت كثيرًا حين قلت إنك مجرد رجل عادي مرّ بحياتي ورحل.
لكنك لست مجرد رجل عابر فأنت رجل مختلف، تأتي فتحتل المكان، وتمد جذورك في الحياة، فلا يسهل اقتلاعك، ولا نسيانك، ولا الادعاء بأنك لم تكن يومًا.
وصار عندي حنين، ولكني بعرف لمين...
فحنيني لك لا ينتهي.
وفجأة، سمعت رنين هاتف من مكان قريب، فتلك هي نغمتك!
لم أحتج إلى التفكير طويلًا فقد انتفض قلبي قبل أن ألتفت.
تناولت هاتفي على عجل، وتأملت شاشته، فإذا به صامت.
رفعت رأسي بخيبة حاولت أن أخفيها، لأكتشف أن الرنين لم يكن سوى صوت هاتف شخص يجلس خلفي، يجيب عن مكالمته بكل عفوية، غير مدرك أنه أيقظ في قلب غريب حكاية كاملة من الشوق والانتظار.
كم هو غريب هذا الحنين!
كيف يمكن لرنين عابر أن يربك هدوءنا، ويعيد ترتيب مشاعرنا في لحظة، ويجعلنا نصدق أن الغائب قد تذكرنا أخيرًا؟
لم يكن الأمر مجرد رنين هاتف، بل كان قلبي الذي ما زال يترقبك، وروحي التي لم تتعلم بعد كيف تتخلص من انتظارك.
أدركت يومها أنني لا أحتاج إلى رؤيتك كي أشتاق إليك، ولا إلى سماع صوتك كي أشعر بغيابك. يكفي أن يرن هاتف في مقهى مزدحم حتى يختفي كل من حولي عن عيني، ولا يبقى في المشهد سوى احتمال واحد: أن تكون أنت.
ومع كل تلك الأشياء، ازددت يقينًا بأنك...
بعدك على بالي.
أفقت من شرودي وأنا أتأمل كرسيك الفارغ. لم يتبق منك سوى فنجان قهوة وحيد ينتظرك، وكرسي لا تجلس عليه، وعلبة تبغ فارغة أحتفظ ببقاياها في حقيبتي.
يبكي قلبي، وتلمع عيناي.
ألمّ أشياءك وأرحل من المكان...
أغادر فراغًا إلى فراغ آخر.
