
أوراق القلب ـ رسالة حب ـ لو كنتِ الآن قربي
صالح مهدي محمد
حبيبتي
لو كنتِ الآن قربي، لقلتُ لكِ إن المسافة ليست تلك التي تفصل بين مكانين، بل تلك التي تتسلل إلى الروح حين تفتقد وجهًا اعتادت أن ترى فيه ملامح العالم. ولو كنتِ الآن قربي، لما احتجتُ إلى كل هذه الكلمات، ولا إلى أن أفتش في اللغة عن جملة تشبهكِ، أو استعارة تستطيع أن تحمل شيئًا من حضوركِ؛ كنتُ سأكتفي بالنظر إليكِ، كأنني أقرأ للمرة الأولى كتابًا ظللتُ أحفظه عن ظهر قلب، ثم اكتشفتُ أن لكل صفحة فيه سرًا لم أبلغه بعد.
لو كنتِ الآن قربي، لراقبتُ وجهكِ في صمت، وتأملتُ كيف يستقر الضوء على جبينكِ، وكيف تنساب خصلات شعركِ كأنها ليل صغير اختار أن يسكن بالقرب من عينيكِ. كنتُ سأصغي إلى تفاصيلكِ التي لا ينتبه إليها أحد؛ إلى حركة يدكِ حين ترتبين شيئًا لا يحتاج إلى ترتيب، وإلى ابتسامتكِ التي تبدأ خجولة ثم تتسع كنافذة انفتحت فجأة على صباح بعيد، وإلى ذلك الشرود العابر الذي يمر في عينيكِ حين يأخذكِ التفكير إلى مكان لا أعرفه، فأشعر بالغيرة من فكرة استطاعت أن تسافر بكِ بعيدًا وأنا أجلس إلى جواركِ.
كنتُ سأقترب منكِ قليلًا، لا لأقول شيئًا عظيمًا، بل لأتأكد أن العالم ما زال يحتفظ ببعض معجزاته الصغيرة. فثمة أشياء لا تحتاج إلى تفسير؛ دفء اليد حين تلامس اليد، وطمأنينة الصوت حين يأتي من الشخص الذي نحب، وذلك الشعور الغامض بأننا وصلنا أخيرًا إلى المكان الذي لم نكن نعرف أننا نبحث عنه طوال الطريق.
لو كنتِ الآن قربي، لطلبتُ من الوقت أن ينسى مهمته قليلًا. أن يكف عن مطاردة الساعات، وأن يترك عقاربه تستريح على حافة اللحظة. فما جدوى الوقت إذا كان يمضي بنا بعيدًا عن الأشياء التي تمنحه معناه؟ وما جدوى الأيام إذا كانت تمر كالماء بين الأصابع، فيما تبقى أيدينا فارغة من لمسة واحدة كنا نريدها أن تطول؟ كنتُ سأريد للمساء أن يتمهل، وللنافذة أن تحتفظ بزرقة السماء، وللأضواء البعيدة أن تتأخر في الانطفاء، كأن المدينة كلها تعرف أنني أحتاج إلى هذه الساعات لأعيد ترتيب قلبي حول حضوركِ.
ولربما خرجنا معًا إلى شارع هادئ، تتناثر على جانبيه أشجار تعبت من حمل أوراقها، وتنساب فوق أرصفته بقايا نهار ذاهب. كنتُ سأمشي بمحاذاتكِ، وأترك للخطوات أن تختار إيقاعها، فلا وجهة تستحق العجلة ما دمتِ إلى جانبي. سنمر بواجهات المحال، وبالمقاهي التي تضيء زجاجها مصابيح صفراء، وبعابرين يحمل كل منهم حكاية لا يعرفها أحد، وسأشعر أن المدينة التي بدت لي طوال الوقت واسعة وموحشة قد صارت فجأة أصغر من أن تتسع لفرحتي بكِ.
ربما كنتِ ستسألينني عن سبب صمتي، فأبتسم وأقول إنني أفكر في شيء بعيد، بينما الحقيقة أنني كنتُ أحاول أن أستوعب قربكِ. كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا الوضوح أمام العين، وبهذا الاتساع داخل الروح؟ وكيف لوجه واحد أن يختصر كل هذه الجهات، حتى يصبح الطريق إليه أقرب من الطريق إلى نفسي؟ كنتُ سأخفي ارتباكي خلف حديث عابر، وأترك عينيّ تقولان ما تعجز الكلمات عن قوله؛ فالحب، حين يبلغ أعماقه، لا يعود بحاجة إلى ضجيج الاعترافات، بل يصير مثل نهر هادئ يخفي في قاعه أسرار الجبال.
ولو جلسنا قرب نافذة تطل على مساء بطيء، لحدثتكِ عن الأشياء التي لا أقولها عادة. عن خوفي من الأيام التي تتغير دون استئذان، وعن قلقي من أن تسرق منا الحياة ما نظن أننا نملكه، وعن حاجتي إلى لحظة أشعر فيها أنني لست مضطرًا إلى التظاهر بالقوة. كنتُ سأخبركِ أن في داخلي تعبًا لا تراه الوجوه، وأنني أحيانًا أبدو هادئًا لأنني لا أعرف كيف أشرح الفوضى التي تعبرني، وأنني أحتاج، أكثر مما أعترف، إلى شخص أستطيع أن أضع عنده أثقال روحي دون أن أعتذر عن ثقلها.
وكنتُ سأقول لكِ إنكِ لا تشبهين الراحة العابرة التي تمنحها نهاية يوم طويل، بل تشبهين البيت الذي يعود إليه المرء مهما ابتعدت به الطرق. لا لأنكِ تملكين إجابات عن أسئلتي، ولا لأنكِ قادرة على إصلاح كل ما أفسدته الحياة، بل لأن وجودكِ يجعلني أقل خوفًا من الأسئلة، وأكثر استعدادًا لمواجهة ما لا أستطيع تغييره. ففي حضوركِ لا تصبح الحياة سهلة بالضرورة، لكنها تصبح أقل قسوة، كأن يدًا خفية خففت عن العالم شيئًا من ثقله.
حبيبتي
لو كنتِ الآن قربي، لربما لم يحدث شيء استثنائي. لن تنشق السماء عن ضوء جديد، ولن تتوقف المدن عن ضجيجها، ولن تتراجع الأحزان التي صنعتها الأيام. سيظل العالم كما هو، بمواعيده المتأخرة، وأخباره الثقيلة، ووجوهه التي تخفي أكثر مما تظهر. لكن شيئًا واحدًا كان سيتغير: كنتُ سأواجه كل ذلك بقلب يعرف أن له في هذا العالم جهة يعود إليها، وصوتًا يستطيع أن يطمئنه، ووجهًا إذا ضاقت به الجهات اتسعت له المسافة بين ابتسامة وعينين.
كنتُ سأحفظ تفاصيلكِ كما يحفظ المسافر تضاريس المكان الذي أنقذه من التيه؛ طريقة جلوسكِ، ونبرة صوتكِ حين تنادينني، وملامحكِ حين تعترضين على شيء، وحتى تلك اللحظات التي تلوذين فيها بالصمت، كأنكِ تغلقين بابًا صغيرًا على عالمكِ الداخلي. كنتُ سأترك للذاكرة مهمة الاحتفاظ بكل ذلك، لا لأنني أخشى غيابكِ فحسب، بل لأن بعض اللحظات تستحق أن تُعاش مرتين؛ مرة حين تحدث، ومرة حين نستعيدها في عتمة المساء ونكتشف أنها ما زالت قادرة على إضاءة شيء فينا.
أما الآن، وأنتِ بعيدة، فإنني أتخيل قربكِ وأكتب. أضع الكلمات في هذا الفراغ الذي يتسع كلما حاولتُ ملأه، وأرسم ملامحكِ على صفحة لا تستطيع أن تمنحني دفء حضوركِ. أكتب إليكِ كأن الرسالة طريق، وكأن الحروف خطوات، وكأن كل جملة أرسلها إليكِ تختصر شيئًا من المسافة التي لا أستطيع عبورها. ومع ذلك، أعرف أن الورق لا يعانق، وأن الحبر لا يلتفت حين نناديه، وأن أجمل الكلمات قد تقف عاجزة أمام بساطة لحظة واحدة نجلس فيها معًا دون أن نحتاج إلى قول أي شيء.
لهذا، لا أريد من رسالتي أن تقنعكِ بأن الغياب جميل، أو أن المسافات تمنح الحب معنى لا يملكه القرب. أريد فقط أن تعرفي أنني أفتقدكِ في الأشياء الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد؛ في فنجان قهوة يبرد على الطاولة، وفي مقعد فارغ بجانبي، وفي أغنية تمر مصادفة فتوقظ اسمكِ، وفي مساء يطول أكثر مما ينبغي، وفي جملة أسمعها فأفكر فورًا كيف كنتِ ستعلقين عليها. أفتقدكِ حين يحدث شيء جميل وأتمنى لو أنكِ رأيتِه، وحين يحدث شيء عادي فأكتشف أنني كنتُ سأحبه أكثر لو شاركتكِ إياه.
لو كنتِ الآن قربي، لما كتبتُ كل هذا.
كنتُ سأترك الرسالة على الطاولة، وأقترب منكِ، وأقول بصوت خافت إنني لا أحتاج إلى أكثر من هذه اللحظة. ثم أصمت، وأدع يدي تقترب من يدكِ، وأدع قلبي يطمئن قليلًا إلى حقيقة طالما حاولت الكلمات أن تشرحها: أن الحب ليس أن نجد شخصًا يملأ فراغنا فحسب، بل أن نجد معه مساحة نستطيع فيها أن نكون على حقيقتنا، بلا أقنعة، ولا تبريرات، ولا خوف من أن يرانا أحد كما نحن.
لو كنتِ الآن قربي، لقلتُ لكِ إنني أحبكِ، ثم سأعيدها بطريقة أخرى، لا لأن العبارة الأولى ناقصة، بل لأن في القلب كلامًا لا تكفيه صيغة واحدة. أحبكِ كما يحب المساء نافذته الأخيرة من الضوء، وكما تحتفظ الأرض برائحة المطر بعد انصراف الغيم، وكما يشتاق الطريق إلى وقع الخطوات التي اعتادها. أحبكِ في حضوركِ الذي أتخيله، وفي غيابكِ الذي أعيشه، وفي كل ما بينهما من أيام تتبدل ولا تستطيع أن تنتزع منكِ مكانكِ في داخلي.
ولو كنتِ الآن قربي، لربما انتهت هذه الرسالة قبل أن تبدأ.
لكنّكِ لستِ هنا، وأنا ما زلتُ أكتب، كأن الكتابة شكل آخر من أشكال الانتظار، وكأن القلب حين يعجز عن الوصول يرسل ما يستطيع حمله من حنين.
فإن وصلت إليكِ كلماتي ذات مساء، فلا تقرئيها بوصفها شكوى من المسافة، بل بوصفها يدًا ممدودة عبرها. تخيلي أنني أجلس إلى جواركِ، وأنني أقرأ لكِ هذه الرسالة بصوت هادئ، ثم أترك آخر كلماتها معلقة بيننا، وأبتسم.
فكل ما أردتُ قوله، يا حبيبتي، هو أنني كلما تخيلتُكِ قربي، شعرتُ أن العالم يمكن احتماله، وأن الأيام، مهما أثقلت أرواحنا، لا تزال تخبئ لنا لحظة تستحق الانتظار.
ولو كنتِ الآن قربي، لكان يكفيني أن أنظر إليكِ، لأعرف أن بعض الأمنيات لا تحتاج إلى أن تتحقق كاملة؛ يكفي أن تقترب منا قليلًا، حتى نتذكر لماذا ما زلنا نحب الحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الرسالة (8) لو كنتِ الآن قربي، من كتاب مخطوط بعنوان أوراق القلب ـ رسائل حب.
