للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب ـ رسائل حب ـ ماذا ينتظرُ اللقاءُ حتى يجمعَنا؟(*)

صالح مهدي محمد

 

أكتبُ إليكِ والحبرُ يرتجفُ في عروقِ القلم، كأنَّ الكلماتِ تعلمُ أنَّها ستعبرُ جسرًا من الشوقِ لا ضفّةَ له. أسألُ الليلَ عنكِ فيُطرقُ، وأسألُ النجمَ فيُغمضُ جفنَه، وكلُّ ما في الكونِ يعرفُ جوابًا لا يجرؤُ على البوح: ماذا ينتظرُ اللقاءُ حتى يجمعَنا؟

 

أيُّ قدَرٍ هذا الذي يُقيمُ بين القلبينِ سدًّا من الأيامِ، ثم يأمرُ الأرواحَ أن تتعانقَ عبرَه؟ كأنَّ الزمانَ، وقد ضاقَ بنا ذرعًا، اتَّخذَ من الفُرقةِ امتحانًا، ومن الصبرِ شرطًا، ومن الحنينِ ثمنًا لا يُردُّ. وأنا، يا سيّدةَ الأسئلةِ التي لا تُجاب، أُقلِّبُ الأيّامَ على جمرِ الانتظارِ كما يُقلِّبُ الناسكُ حبّاتِ مسبحتِه، فلا الحبّةُ تنقضي ولا الدعاءُ يُستجاب.

 

لقد ظننتُ أنَّ اللقاءَ موعدٌ يُضرَب، فإذا هو سرٌّ يُدَّخَر؛ وظننتُه بابًا يُطرَق، فإذا هو فجرٌ يتأخَّرُ ليكتملَ ضياؤه. ربّما ينتظرُ اللقاءُ أن تنضجَ في صدورِنا الأشواقُ كما تنضجُ الثمرةُ في كَنَفِ الغصنِ، وأن تصفوَ الروحانِ من كدرِ العجلةِ حتى إذا التقتا لم تجدا في المرآةِ غيرَ وجهٍ واحد. وربّما ينتظرُ أن يتعلَّمَ الشوقُ لغتَه الأخيرة، تلك التي لا تحتاجُ إلى حرفٍ ولا إلى صوت، فيكفي أن تُشرِفي على العمرِ حتى ينحني الوقتُ إجلالًا لهذا الموعد.

 

أتدرينَ ما الذي يُضنيني؟ ليس البُعدَ ذاتَه، فالمسافاتُ تُطوى بالأقدامِ والأجنحة، بل أن يكونَ القلبُ قد سبقَ الجسدَ إليكِ، فبقيتُ هنا ظِلًّا بلا صاحب، وبقيتِ هناكِ صاحبةً بلا ظِلّ، وكلانا يتلمّسُ في العتمةِ نصفَه الغائب. إنَّ الحبَّ، حين يتأخَّرُ لقاؤه، يستحيلُ إلى لغةٍ تتكلّمُ بها الصحراءُ مع المطر: لا تقولُ شيئًا، ولكنَّها تُصغي بكلِّ ما فيها من يباب.

 

فإن سألتِني: متى؟ قلتُ لكِ إنَّ اللقاءَ لا يُسأل عن ميعادِه، كما لا يُسأل الفجرُ عن ساعةِ مولدِه؛ يكفيه أن يعلمَ أنَّ في الأفقِ عينينِ تنتظرانِه. وإن سألتِني: كيف؟ قلتُ إنَّ الأقدارَ إذا أرادت جمعَ قلبينِ نسجتْ من الصدفةِ طريقًا، ومن الغيبِ دليلًا، ومن الحنينِ زادًا لا ينفد. وإن سألتِني: ماذا ننتظر؟ فأنا أجيبُ بما لا أملكُ سواه: ننتظرُ أن نصيرَ أهلًا للقاء، فإنَّ بعضَ الأحبّةِ لا يُجمَعون إلا بعدَ أن يُهذِّبَهم الفراقُ حتى يغدوا مرايا صافيةً لبعضِهم.

 

سأبقى على العهدِ، أُوقِدُ لكِ في ليلِ الغيابِ قنديلَ الذكرى، وأحرسُ في صدري بابًا ما زلتُ أُبقيه مُشرَعًا، لعلَّ الريحَ إذا هبّتْ جاءتني منكِ برسالةٍ أو نَفَس. وحين يأتي اللقاءُ، ويأتي، فسأقفُ بين يديكِ كما يقفُ الشاعرُ أمام القصيدةِ التي أتعبتْه، عاجزًا عن الكلامِ، غنيًّا بالصمت، وأقولُ: ها نحن، وقد انتهى الانتظار، فابدئي من حيثُ شئتِ، فكلُّ الدروبِ إليكِ بدايات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) الرسالة (10) ماذا ينتظرُ اللقاءُ حتى يجمعَنا؟، من كتاب مخطوط بعنوان أوراق القلب رسائل حب.