
أوراق القلب ـ رسائل حب ـ اعترافاتٌ خالصةُ الصدق (*)
صالح مهدي محمد
أكتب إليكِ وفي صدري لغةٌ تتكوّن على مهل، كأنّ الكلمات تتزاحم في وجداني، وتسعى كلّ واحدةٍ منها إلى بلوغ بابكِ قبل الأخرى، فيما يظلّ المعنى معلّقًا بين ما أشعر به وما تستطيع العبارة احتواءه. أحاول أحيانًا أن أُقنع نفسي بأنّ ما يسكنني أقلّ ممّا هو عليه، فتأتي كلماتي لتكشف اتّساع الشعور، وتمنحه حجمه الذي عجزتُ عن مواراته. أترك لكِ هذه الورقة بوصفها سرًّا أفلت من صاحبه في لحظة مكاشفة، وأدعوكِ إلى قراءتها بإصغاءٍ يشبه الإصغاء إلى نبضٍ يكشف خفاياه. إنّها محاولةٌ لإنقاذ ما في داخلي من التبدّد، ولمنح مشاعري هيئةً أستطيع بها أن أقترب منكِ. وسأبدأ من تلك اللحظة التي تغيّر فيها ترتيب الأشياء في داخلي، حين جاء حبّكِ كحادثةٍ أعادت توزيع المسافات بيني وبين العالم، فاستحال المألوف غريبًا، واكتسبت التفاصيل الصغيرة سلطةً لم تكن لها من قبل، وأصبحت اللحظات العابرة جديرةً بالتأمّل. أيقظتِ في أعماقي أسئلةً كانت تنتظر مَن يستخرجها من صمتها، وفتحتِ في روحي مسالك تقود إلى مدىً جديد من الشعور. كنتُ قبل معرفتكِ أُحسن تدبير أيامي، وأتقن ارتداء هيئة الرجل الذي يملك زمام أمره، حتى اكتشفتُ معكِ أنّ في الإنسان مناطق تتجاوز تدبيره، وأنّ بعض المشاعر تدخل حياته فتغيّر خرائطها قبل أن يمنحها العقل أسماءها. ومنذ ذلك الحين، أعيش هذا الاضطراب الجميل، وأتأمّل ما يخبّئه الزمن في طيّاته، كأنّ الحياة تعقد معي هدنةً قصيرةً قبل أن تستأنف امتحاناتها القديمة.
وثمّة شعورٌ آخر يثقلني كلّما أوغلتُ في تفاصيلكِ؛ إنّني أغار منكِ عليكِ. أغار من مرآتكِ التي تعرف ملامحكِ أكثر ممّا أعرفها، ومن نافذتكِ التي تقع عيناكِ عليها كلّ صباح، ومن الأشياء التي تلامسينها بعفويةٍ تمنحها امتيازًا لا تدركين مقداره. أغار من التفاصيل التي تمرّ في يومكِ خفيفةً، بينما تتّخذ في خيالي هيئة أسرارٍ صغيرة تستدرج فضولي وتوقظ أسئلتي. ثم أغار من نفسي حين أكتب إليكِ؛ فالكلمات تتأنّق لكِ، وتتقدّم نحوكِ واثقةً من قدرتها على التعبير، فيما أبقى خلفها أفتّش عن عبارةٍ تحملني إليكِ بكامل ارتباكي. كأنّ اللغة تعرف الطريق إلى قلبكِ أكثر ممّا يعرفه صاحبها، وكأنّها تملك من الجرأة ما أحتاج إلى استعارته كلّما أردتُ أن أضع بين يديكِ شيئًا من حقيقتي.
وأمّا ما أحمله إليكِ في هذه الرسالة، فهو رغبةٌ في أن أبقى قريبًا من المعنى الذي جمعني بكِ، بعيدًا عن استعجال النتائج أو تحميل المشاعر أكثر ممّا تحتمل. أرجو أن تظلي احتمالًا جميلًا في أفق أيامي، وأن يبقى في العمر متّسعٌ لما قد تكتبه الظروف، وفي القلب مكانٌ لاسمكِ يستقرّ فيه بعفويةٍ وحرية. فالوعود تحتاج إلى أرضٍ تنمو عليها، والزمن يملك طرائقه الخاصة في تغيير مسارات الأشياء؛ أمّا الشعور فيحتاج إلى مساحةٍ يتنفّس فيها، وإلى قلبٍ يستقبله بإرادته، بعيدًا عن الإلزام والتوقّعات.
ولأنّكِ تعنين لي أكثر ممّا تستطيع العبارات العابرة إظهاره، اخترتُ أن أصارحكِ بما يجري في داخلي، وأن أضع أمامكِ صورتي كما أعرفها، بكلّ ما فيها من ارتباكٍ وتوقٍ وهشاشة. أرى في المكاشفة طريقةً تمنح المشاعر حقّها في الظهور، وتسمح للإنسان بأن يتخلّى عن رغبته في تقديم نفسه بالصورة الأكثر إتقانًا، ليمنح الآخر فرصةً لرؤية ما وراءها. أريدكِ أن تعرفي حقيقة ما يسكنني، وأن يكون الطريق بين قلبي وقلبكِ قائمًا على المعرفة المتبادلة، حيث تلتقي المشاعر بوجوهها الحقيقية، وتكتسب الكلمات معناها من التجربة التي تحملها.
أصارحكِ لأنّني أريد أن أقترب منكِ بملامحي التي أعرفها، وأن أمنحكِ صورةً حيّةً عن الرجل الذي يكتب إليكِ، بعيدًا عن الزخرفة التي تُحسن اللغة صناعتها. إنّ الحبّ الذي أعيشه معكِ يستحقّ أن يصل إليكِ في صورته الأقرب إلى طبيعته، وأن تبقى المسافة بين ما أقوله وما أشعر به قصيرةً بقدر ما تسمح به اللغة. لهذا أترك للعبارة أن تحمل شيئًا من فوضاي الداخلية، وأمنحها حرية السير في تضاريس روحي، فالكلمات التي تنبع من التجربة أقرب إلى القلب من صورةٍ مصقولةٍ صنعتها الرغبة في الإعجاب.
وأعرف أنّ البوح يضع الإنسان أمام احتمالاتٍ متعدّدة، لكنّني أراه شجاعةً تمنح الشعور كرامته. أفضّل أن تعرفي ارتباكي على أن تكتشفي خلف اتّزاني صورةً أخرى، وأن تضعي يديكِ على حقيقة ما أحمله بدلًا من أن يترك التأويل لكِ مهمّة رسم ملامحي. أكتب إليكِ لأنّكِ المعنيّة بهذا الشعور، ولأنّ رغبتي في أن تعرفيني تنبع من مكانٍ أعمق من مجرّد الإفصاح؛ إنّها رغبةٌ في أن تلتقي معرفتكِ بي بحقيقتي، وأن يصبح ما بيننا، أيًّا كانت صورته، أكثر وضوحًا وحرية.
فإن قرأتِ هذه السطور وابتسمتِ، شعرتُ أنّ شيئًا من ارتباكي قد وجد طريقه إليكِ. وإن قرأتِها وآثرتِ الصمت، فسأترك لصمتكِ مساحته، وأحترم حقّكِ في التعبير عن مشاعركِ بالطريقة التي تناسبكِ. سأترك لكِ حرية التأويل والاختيار، وأحتفظ لنفسي بحقّ أن أقول ما أشعر به من دون أن أحوّل كلماتي إلى مطالبةٍ تنتظر جوابًا بعينه. فالمشاعر تمنح أصحابها شجاعة البوح، وتمنح مَن يتلقّاها حرية الاستجابة.
هذه الرسالة أثرٌ تركه شعورٌ في صاحبه، فاختار أن يمنحه هيئة الكلمات قبل أن تتبدّد ملامحه في زحام الأيام. أكتبها لأنّ بعض الحقائق تكتسب معناها حين تجد طريقها إلى الكلام، ولأنّني أريد، حين أعود إلى هذه اللحظة يومًا، أن أجد فيها أثرًا أمينًا لما عشته، وأن أتذكّر أنّني منحت هذه التجربة حقّها في التعبير، وأنّني تركت لها مساحةً تنجو فيها من النسيان والتأويل.
أحبّكِ، وهذه العبارة بدايةٌ لحديثٍ يتّسع كلّما حاولتُ الإحاطة به، وحقيقةٌ أضعها أمامكِ كما هي، تحمل ملامحي وارتباكي وكلّ ما أرجوه من هذا الشعور. أحبّكِ على نحوٍ يجعلني أفضّل أن تعرفي ضعفي على أن تنخدعي باتّزاني، وأن تسمعي صوتي كما هو، بكلّ ما فيه من تردّدٍ وحنين.
وما زلتُ أكتب، لأنّ في القلب أشياء تتجدّد كلّما أفصح عنها، ولأنّ بعض الكلمات تفتح أمام الروح بابًا جديدًا للفهم. أكتب إليكِ، وأترك للعبارات أن تمضي نحوكِ حاملةً ما عجزتُ طويلًا عن ترتيبه في داخلي، كأنّ الكتابة نفسها صارت طريقتي في الاقتراب، وصار البوح جسرًا أعبره بكامل إرادتي، حتى أصل إليكِ كما أنا، حاملًا ما في قلبي من شعورٍ ورجاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الرسالة (11): اعترافاتٌ خالصةُ الصدق، من مخطوط أوراق القلب ـ رسائل حب.
