للذهاب الى صفحة الكاتب   

كتب احدهم لأحدهم, ما اصعب الحب إن نزف

الدكتور سمير محمد ايوب

 

مع اول خيوط الفجر، كانت الشارع المشاطئ لغرفة نومي، يستيقظ ببطء وتثاقل، وكانت بدايات البرد تترك اثارها على ما بات الناس يلبسون. 

تمتمت لنفسي وقد بات الكثير من جراحي النازفة الصعبة معلوما، ووشوشت لها ان الاصعب من النزف الثرثرة عنها، ولو همسا. او الكتابة المشفرة ولو بحبر سري. فالابجديات كلها لن تسعف عاشقا، ينزف قبل الضوء وبعده.

ولكني سأكتب لان الحب إن كان بطعم الوجع المفاحئ، فهو ليس رزقا لمن يستحقه فقط، بل امتحان مقيم غيرمغادر، لمن يشارك فيه، هذا إن صدق ولم يتلوث بظنون او وساوس ابالسة بشرية كانت او شيطانية.

سأعود الى الى حكاية من حكاوى الرحيل، بدأت ظهر ذات يوم، بلقاء مع وقورة تجرؤ على الخروج بلا مكياج، كان ذلك قبل اعوام طوال، في إطلالة من ارض الرباط تعج بكل مذاهب الصمت وأنينه.

في تلك الظهيرة، تقدمت الوقورة نحوي بابتسامة هادئة، وعيناها تحمل هيبة حائرة، تعرف الكثير من اشكال الوجع، وقالت اعرفك عن قرب قريب، فانا ممن يتابعن كتاباتك، في الشأن العم للناس والكثير من الخاص بالوطن المحتل وما يشبهه من اوطان.

كان لقاءنا بطعم مختلط، فيه شيء من كل شيء. أدركنا معا في نهايته، انه لقاء سيقود الى لقاءات اخرى نستكمل خلالها ما بدء واتمامه إن أمكن.

سرعان ما بتنا نلتقي في اماكن واوقات تسمح لصخب أفكارنا وضجيج مشاعرنا بان تتنفس وتهيمن على الصمت المشوه بالحيرة و تفكك ولو شيئا من تعقيداته المادية على الاقل.

ومع الوقت، بدأت بعض حواراتنا تأخذ منحى مختلف المذاق. ففي احدى الامسيات في مقهى على زاوية مطلة على قلعة عجلون ، نظرت الي مطولا وقالت بعد تنهيدة عميقة:

سقط من حولي كثرة من رجال تعثرت بهم، وبعضهم حملته على ظهري.

لم اجب على الفور، بل وضعت فنجاني أمامي، وبقيت صامتا انتظر تتمة تشي بمسكوت عنه. وفق ما زلت أذكر، دنت مني وبصوت خفيض سألتني ان كان بامكانها ان تثق بي؟!

فقلت برضى: ان الاهم من الثقة التي تطلبينها وهي من حقنا المتبادل،  هو ان يبقى الصبر الجميل الصادق بيننا، فوق كل اعتبار، وان نحترم حقوق بعض في الاختلاف والارتطام وعدم التطابق.

قالت انما الاهم ان نبقى فوق اي اعتبار من اعتبارات الصراع، وان لا يعفي احدنا نفسه من مسؤوليات اسبابه او تبعاته.

وهكذا دارت الكثير من التفاصيل، وتكاثرت بلا غموض متعمد عجلة الايام والاحداث والقلق. فنحن معا اخترنا عواقب تطور في علاقة فطرية، ما كنا في البدء قد توقعناها. ونحن نعلم علم اليقين ان المشاعر النبيلة، لا تترك في العادة للإنطباعات الاولى، التي قد تكون انتقائية او خداعه.

مع الوقت صرنا جزءا من التفاصيل اليومية الصامتة والناطقة لبعض . واعتدنا على ايقاعها. ولكن الكثير مما يحيط بنا، كان قادرا في أي لحظة على قلب المشاهد رأسا على عقب.

جاء يوم اجتاحتها الوساوس، ورجَّت فيما رجَّت وجدانها ويقينها، وبدلت الكثير من احوالها، وادخلتنا في غيوم من الاضطراب وتشظياته العبثية والعدمية والطفولية. وتغيرت الظروف.

لم يحدث الانهيار دفعة واحدة، جاء على هيئة متواليات هندسية. وتقطعت الكثير من الخيوط التي استندت اليها شراكتنا، لسنوات طوال، تكشفت بعض الحسابات الضيقة، وتدفقت الاسئلة المفتوحة الاجابات، وبددت على ما يبدو الكثير من ترتيبات الطمأنينة.

كنت احاول ان اجد جوابا لكل تفصيل، لكنني لم اعد أجد اجابات واضحة كالمعتاد، او تفسيرا لكل تفصيل، كنت اشعر بان شيئا جديا اكبر من قدرتي على الفهم، يحدث ويتشظى ويتعمق. هل انتهت الحكاية، وبات ما بيننا في  اكثر من ذاكرة القلب والعقل والزمان والمكان ؟!

كنت اعرف ان من كنت الوذ بها تتغير وانها تضيق. وانني لن استطيع منع ما ينتظرنا او تبريره، ولكني لم اكن اعرف ان التحدي الحقيقي لم يبدأ بعد، ولم يعد بالامكان تأجيله او استعادته بسهولة. صرت اخشى من سؤال لا يفارق نفسي: هل بت مكسورا غير قادر على التراجع، ولا على الاحتفاء بالمستجدات؟!

وأنا اقف امام نفسي، والكثير من نوافذ ما مضى من العمر، نظرت الى عديد صورنا المعلقة فوق جدران روحي، وما تحمله من معان، ابتسمت دون ان اشعر بأنني أخسر، اجتاحتني زوبعة من الاسئلة، ابسطها هل استعد لمغادرة عناقيد من تفاصيل سنوات، عرفت فيها الكثير من الطمأنينة والفرح وقلق الانتظار؟

فالطريق الى الكرامة تمر احيانا عبر عناقيد من الاوجاع والاحزان التي لا نعرف حجمها ولا عمق آثارها ولا اثمانها بالتأكيد.

ولكني بالتأكيد لن اخرج خالي القلب، ولا عاريا من مشاعري، فقد تعلمت من تجربتي، ان الشراكة القوية الصادقة، بقدر ما تفتح ابوابا مغلقة، فإن وساوس الشراكة إن ضعفت، تحرمنا من حقنا في شهيق طيب حر وسهل وغير مكلف.

ستبقى الشراكة الشريفة الصادقة نبيله وباقية لا تغادر القلب، واعمق من كل الابالسة، ووساوس تصفية الحسابات. ستبقى الذاكرة خضراء حاضرة في القلوب، لن تتوقف عن الحلم، حتى وان كان مكلفا. ولكن من منا يملك حق رواية الحقيقة العارية، او حتى تلك الممكيجة بالمساحيق؟!

-لست ادري ؟