
أوراق القلب ــ رسائل حب ــ لكِ حرية الاختيار (*)
صالح مهدي محمد
ثمّة في أقاصي الروح دهليزٌ لا تُفضي أبوابه إلى جهة، ولا تعثر فيه الأشياء على أصلها الأول؛ هناك، حيث تتبدّل خرائط المعنى كلّما حاولت الذاكرة تثبيتها، ويمارس الصمت غوايته بوصفه آخر أشكال البوح، تركتُ لكِ نافذةً لا تُطلّ على الخارج، بل على ذلك الجزء منكِ الذي لم تستطعِي، بعدُ، أن تُقنعيه بأنّ النجاة ليست مرادفًا للعبور.
لكِ حرية الاختيار؛ أن تكوني الاحتمال الذي أفلت من حتميّة التحقّق، أو أن تصيري يقينًا يلتهم شواهده كلّما حاول البرهنة على وجوده. لكِ أن تقيمي في المسافة الفاصلة بين خفقة وأخرى، حيث يعلّق القلب قوانينه على مشجب الغياب، ويعيد ترتيب خساراته كما لو أنّ الفقد مجرّد خطأ إملائي في قصيدة القدر.
ولكِ، إن شئتِ، أن تسمّي ما بيننا بما لا تُسعفه المعاجم؛ أن تمنحيه اسمًا مستعارًا، وتُخفي هويّته في أرشيف الأشياء التي لا ينبغي لها أن تحدث. لن أجادلكِ في التسمية؛ فما أكثر الحقائق التي غيّرت جلودها كي تنجو من أعين الآخرين، وما أندر الحقيقة التي استطاعت أن تنجو من عين صاحبها.
أمّا أنا، فقد اخترتُكِ بطريقة لا تصلح شاهدًا في محكمة العقل؛ اخترتُكِ حين كان في وسعي أن أكون أقلّ تورّطًا فيكِ، وأكثر قابلية للتأويل خارج حدودكِ. اخترتُكِ لا لأنّكِ الإجابة، بل لأنّ الأسئلة في حضرتكِ فقدت براءتها، ولأنّ قلبي، ذلك الكائن الذي يتقن خيانة منطقه، رأى في ارتباككِ هندسة سرّية لبيت لم تُشيَّد جدرانه بعد.
فلا تُحمّلي اختياركِ ذنب ما لم تختاريه، ولا تُحمّلي صمتي دلالة لم أودعها فيه؛ إنّني لا أجعل من خطاكِ امتحانًا لثباتكِ، ولا أستدرجكِ إلى جهةٍ لأختبر قدرتكِ على المضيّ فيها، بل أترك لكِ فسحةً تتّسع لقراركِ، كي تعرفي أنّ الخطوة التي تنبع من إرادتكِ لا تحتاج إلى شاهدٍ يثبت حدوثها.
اذهبي إن كان الرحيل يعيد إليكِ صورتكِ قبل أن تشوّهها المرايا، وابقَي إن كان البقاء فيكِ فعلًا لا صدى، واقتربي إن وجدتِ في المسافة بيننا معنى يستحقّ أن يُخاطر بسلامته. لا أريدكِ أسيرة عاطفة تُحسن إغلاق الأقفال، ولا أريد حبًّا يستمدّ شرعيّته من عجز أحدنا عن النجاة من الآخر.
أريد ذلك المستحيل الهادئ: أن تختاريني وأنتِ قادرة على ألّا تفعلي؛ أن تأتي إليّ بكامل قدرتكِ على الغياب، لا مُثقَلة بديون الحنين، ولا مُستدرَجة إلى قلبي بحيلة الفراغ.
فالحبّ، في أكثر تعريفاته نزاهةً، ليس أن أحتفظ بكِ رغم إرادتكِ، بل أن أكون المكان الذي لا تصادر فيه إرادتكِ حقّها في الاختيار.
وهكذا، تركتُ لكِ حرية الاختيار، وأبقيتُ لنفسي حقّ الاعتراف: أنّني، وسط هذا العالم الذي يتقن تحويل المشاعر إلى أدلّة إدانة، أحببتُكِ كما لو أنّ الحبّ ليس امتلاكًا، بل تحرير متبادل من ضرورة الامتلاك.
وإن اخترتِ ألّا تختاريني، فلن أحوّلكِ إلى خائنة في مذكّرات الذاكرة؛ سأترككِ احتمالًا نقيًّا لم تُدنّسه النهاية، وأحفظ لكِ في داخلي مقعدًا لا يجلس عليه أحد، لا انتظارًا لعودتكِ، بل احترامًا لتلك النسخة منّي التي كانت، يومًا، تؤمن بأنّ بعض الأبواب تُفتح كي نكتشف أنّ الحرية ليست في الدخول، بل في امتلاك الشجاعة لعدم الدخول.
اختاري، إذن؛ فأنا لا أريد قلبًا انتهى إليّ لأنّ الطرق انقطعت، بل قلبًا عرف اتّساع الجهات كلّها، ثم مال إليّ، لا بوصفِي قدرًا لا مفرّ منه، بل بوصفِي احتمالًا أراده بكامل حريّته.
(* ) الرسالة (13) : كأنّنا في الحبّ قبل هذا العهد، من الكتاب المخطوط: أوراق القلب ـ رسائل حب.
