
أوراق القلب – رسائل حب – أوهامٌ حاولت تهتك ما بيننا
صالح مهدي محمد
حبيبتي، كان الحب أقوى حتى منّا...
كان أعتى من أن تستوعبه هشاشةُ ظنوننا، وأعمق من أن تطاله معاولُ التأويل حين استيقظت الأوهام في صقيع المسافة، وأخذت تنسج من خيوط الارتياب أكفاناً لشيءٍ لم يكن يوماً قابلاً للموت.
أتعلمين؟ لم يكن ما بيننا حبّاً عابراً كي تقتله شبهة، ولا تعلّقاً مستعاراً كي تستردّه رياح الاختلاف؛ كان أشبه بميثاقٍ أزليّ كُتب بحبرٍ لا تقرؤه العيون، بل تستظهره الأرواح حين تتعرّى من ضجيج العالم.
لقد تسلّلت إلينا أوهامٌ ذات ألسنةٍ ملتبسة، تتقن اغتيال المعاني دون أن تترك على جثثها أثراً، فشوّهت مرايا اليقين، وأقامت بين نبضينا متاريسَ من أسئلةٍ لا تعرف الإجابة، حتى غدونا نتخاصم مع ظلالٍ لم تكن لنا، ونستجوب صمتاً لم يقترف ذنباً.
ولعلّ المأساة أنّنا تركنا للظنون مقاعدَ في مجلس القلب، وأصغينا إلى رواياتها كأنّها شهودٌ على ما جرى بيننا؛ فصار كلّ تفصيلٍ بريءٍ قابلاً للاتهام، وكلّ التفاتةٍ عابرةٍ مشروعَ تأويل، حتى كادت الحكاية التي نسجناها من أعمارنا تتحوّل إلى محكمةٍ يتبادل فيها العاشقان أدوار القاضي والمتّهم. يا لغرابة الإنسان حين يضع ثقته في احتمالٍ عابر، ثم يطلب من الحقيقة أن تقدّم له ألف دليلٍ كي يطمئن!
يا امرأةً تسكن ما وراء إدراكي، إنّ أكثر ما يؤلمني ليس ما حاولت الأوهام انتزاعه منّا، بل أنّنا كدنا نمنحها صكوك العبور إلى ما عجز الزمن عن اقتحامه. كدنا نُصدّق ضجيج السراب ونكذّب خفقةً طالما كانت أصدق من ألف اعتراف.
أنا لا أكتب إليكِ لأستدرج عاطفتكِ إلى ضفاف الحنين، ولا لأرمّم بكلماتٍ مستهلكة ما تصدّع في جدار اللحظة؛ إنما أكتب لأنّ في صدري حقيقةً عصيّةً على المحو، مفادها أنّ بعض العشق لا تهزمه الخيبات، بل يظلّ معلّقاً في سقوف الروح، كنجمةٍ غادرت سماءها وظلّ بريقها يهتدي به التائهون.
ثمّة أشياء لا يعرفها سوانا، ولا تستطيع الحوادث أن تنتزعها من ذاكرتنا؛ تلك الارتجافة التي كانت تسبق لقاءنا، واللغة التي اخترعناها من نظرةٍ ونصف ابتسامة، والأسرار الصغيرة التي أودعناها في تفاصيل لا يلتفت إليها أحد. كيف يمكن لوهمٍ طارئ أن يمحو وطناً كاملاً من الذاكرة؟ وكيف تستطيع لحظةٌ مرتبكة أن تُبطل تاريخاً من الشعور؟ إنّني أخشى أن نكون قد بالغنا في الإصغاء إلى ما قيل عنّا، حتى نسينا الإصغاء إلى ذلك الصوت القديم الذي كان يعرف طريقه إلى قلبينا دون دليل.
فلا تجعلي من عوارض الوهم شريعةً تُحاكمين بها قلباً لم يتقن يوماً سواكِ، ولا تسمحي لعابرِ ظنٍّ أن يخلع عن حكايتنا اسمها؛ فما زلت أؤمن أنّ ما بيننا أكبر من سوء فهم، وأقدم من خصومة، وأعصى على التفسير من أن تختصره لحظة انكسار.
حبيبتي...
إن كان للعشق مقبرة، فليس الوهم حارسها، وإن كان للقلوب منفى، فلن تكون المسافة آخر أوطاننا. فما زلت أراكِ في الجهة التي لا تصل إليها عيون الآخرين، وما زلت أؤمن أنّ الحب الذي كان أقوى حتى منّا، يستحق ألّا نكون نحن أول من يخذله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الرسالة (14) أوهامٌ حاولت تهتك ما بيننا ، من الكتاب المخطوط , أوراق القلب ـ رسائل حب.
