
قراءة أدبية في قصة «وَدَعْ… وَدَعْ» للقاصة جميلة مزرعاني
د. سداد البغدادي
ليست كل الحكايات التي نلتقي فيها بالغرباء عابرة، فبعض اللقاءات تأتي في لحظة انكسار لتعيد ترتيب ما بعثرته الحياة في داخلنا. وهذا ما تقدمه القاصة جميلة مزرعاني في قصتها «وَدَعْ… وَدَعْ»، حيث يتحول مشهد بسيط في أحضان الطبيعة إلى لحظة إنسانية تحمل رسالة عن التحرر من أسر الذكريات واستعادة الذات.
من الخريف إلى انبعاث الأمل
تبدأ القصة بمشهد خريفي تتناثر فيه الأوراق، وتتحرك الرياح معلنة تبدل الفصول، وكأن الطبيعة تعكس الحالة النفسية للبطلة منال؛ امرأة أنهكها الحب والخذلان، وما زالت تحمل في قلبها جراح علاقة امتدت خمس سنوات.
اختيار الخريف هنا ليس مجرد تحديد زمني، بل يحمل دلالة رمزية واضحة؛ فهو فصل التساقط والرحيل، تمامًا كما تتساقط من روح منال بقايا الأمل القديم. وبين جمال الطبيعة وهدوء المكان، نكتشف أن العاصفة الحقيقية ليست في الخارج، بل في داخل امرأة تحاول أن تخفي وجعها عن العالم.
وتبرز الشجرة الباسقة بوصفها ملاذًا نفسيًا للبطلة، فهي المكان الذي تلجأ إليه لتلفظ أنفاس معاناتها وتستعيد شيئًا من توازنها. وتشبيه شموخها بالنخلة التي تأبى الانحناء للعاصفة صورة موفقة، تختصر الصراع بين الانكسار الداخلي وكبرياء النفس.
نجود… الغريبة التي جاءت في موعدها
تأتي شخصية نجود، قارئة الودع، لتشكل نقطة التحول في القصة. فقد دخلت حياة منال من باب يبدو عابرًا، لكنها استطاعت أن تنفذ إلى وجعها بكلمات جعلتها تشعر بأن ما تخفيه في أعماقها قد أصبح مكشوفًا.
وهنا لا تكمن أهمية نجود في قدرتها على قراءة الودع، بل في الدور الإنساني الذي أدته؛ إذ تحولت من امرأة غريبة إلى صوت يحمل رسالة تحتاج منال إلى سماعها.
وتبدو المفارقة جميلة في أن منال، التي كانت غارقة في ذكريات الماضي، وجدت أمامها امرأة تعيش بخفة وحرية، لا تسمح للهجر أن يقيدها، ولا تجعل رغبة الآخرين في البقاء أو الرحيل تتحكم في سلامها الداخلي.
فلسفة التحرر من التعلق
أجمل ما في القصة هو حديث نجود عن الحرية، حين تقول إنها فراشة جوالة، ترقص وتفرح وتغني، ولا تسمح للهموم أو الهجر بأن يسلباها حقها في الحياة.
إنها لا تقدم لمنال وعدًا بعودة الحبيب، ولا تبشرها بمستقبل غامض، بل تمنحها ما هو أهم: دعوة إلى استعادة نفسها.
وهنا تتجاوز القصة موضوع قراءة البخت إلى فكرة أعمق، وهي أن الإنسان قد ينتظر طويلًا من يأتي لينقذه من حزنه، بينما تكون نجاته الحقيقية في أن يقرر هو ألا يبقى أسيرًا لذلك الحزن.
وتأتي العبارة الأخيرة التي تهمس بها منال، معتبرة لقاء نجود استجابة لدعائها، لتكشف عن بداية تغير داخلي، وكأن الكلمات البسيطة فتحت نافذة في جدار طويل من الألم.
دلالة العنوان والبناء الفني
يحمل العنوان «وَدَعْ… وَدَعْ» جاذبية خاصة؛ فهو مستمد من النداء الشعبي المرتبط بقراءة الودع، لكنه يكتسب داخل القصة معنى رمزيًا يتجاوز المهنة والشخصية، ليصبح صوتًا يوقظ البطلة من استغراقها في الماضي.
كما نجحت القاصة في بناء انتقال تدريجي من الوصف الطبيعي إلى الحالة النفسية، ثم إلى الحوار الذي يحمل الفكرة المحورية. وقد منحت شخصية نجود القصة حيويةً وحركة، وكسرت رتابة الحزن الذي سيطر على المشاهد الأولى.
ومن الناحية الفنية، كان من الممكن منح التحول النفسي لمنال مساحة أكبر من التأمل الداخلي، حتى نشعر بتدرج انتقالها من الانكسار إلى الاقتناع بالتحرر، كما أن مراجعة بعض التراكيب وعلامات الترقيم ستزيد النص سلاسة ووضوحًا.
الخاتمة
«وَدَعْ… وَدَعْ» قصة تحمل رسالة إنسانية بسيطة وعميقة: لا تجعل غياب أحدهم يأخذ منك حقك في الحياة، ولا تسمح لخذلان الأمس أن يصادر فرح الغد.
لقد أرادت جميلة مزرعاني أن تقول لنا إن بعض الغرباء قد يعبرون حياتنا بكلمات قليلة، لكن أثرهم يبقى طويلًا، لأنهم يذكروننا بما نسيناه وسط الألم: أننا نستحق أن نعيش بسلام، وأن نحب أنفسنا، وأن ننهض مهما أثقلت قلوبنا الذكريات.
تحية للقاصة جميلة مزرعاني، التي جعلت من نداء قارئة الودع بداية حكاية عن التحرر، ومن لقاء عابر رسالةً تقول لكل قلب أنهكه الانتظار: لا تنسَ نفسك وأنت تنتظر الآخرين.
د. سداد البغدادي
تعليق جميلة مزرعاني
Sudad Albaghdady طاب مساؤكم بالخير والعافية تحية تقدير واحترام لشخصكم الفاضل. ودامت جهودكم مباركة وقد أسعدتم قلبي وكنت على يقين أنّ القصّة لا بدّ أن تلقى صداها وقد اتّبعت تقنيات القصّة بتفاصيلها الأدبية المقرّرة وموضوعها من واقع الحياة التي نعيشها .فكل يوم خذلان وكل ساعة خيبة خاصة أنّ دوافع التقرّب كثيرة ومغرية فتقع الفتاة في شباك الهوى وسرعان ما يرحل عنها المحبوب مدّعيا أن الظروف قاسية لا تسمح أو يسافر ولا يعدها بالرجوع ...فتقع الواقعة وقد أسرها الحبّ الموهوم وغدت فريسة تداعياته الموجعة.حينها تحتاج الفتاة إلى من يهزّ في داخلهاذاك الجرح الموشوم بالألم.فالإيمان جيّد والمناجاة تدعم كثيرا والله وحده المعين.لكن النفسية لا تشفى بسهولة من العشق رغم الدعاء .من هنا حاولت إظهار الفرق بين الحرية والقيّد مع نجود الغجرية المتحررة التي تفقه مواقف الحياة كأنها مختبر إجتماعي لكل معاناة مع ذلك تقدّر الحبّ والوفاء لمن يستحقّ هكذا طبعت فيها الحياة سبل النجاة وحبّ البقاء .أستاذنا القدير سعادة كبيرة نلتها وانت تفنّد مواقف القصة وتحلّل وصولا إلى الاستنتاج وشعرت أني أحظى بالعلامة التي تستحقّها /وَدَعْ.. وَدَعْ/ وهي الأصداف الموجودة في عهدة البرّاجة أداة التّبصير وكشف البخت.
خالص شكري وتقديري وامتناني
حفظكم الباري ورعاكم
