
الْوَطَنُ/ قصة قصيرة
مارتن كورش تمرس لولو
محامي وقاص
إنه العامُ 1992، فيه أتمَّ الغُلامُ لوقا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً من ربيعِ عمرِهِ. كان وحيدًا لوالديهِ. كلَّ يومٍ عندما يفتحُ أبوه جهازَ التلفازِ، يشاهدُ المذيعَ وهو يطلُّ من خلالِ الشاشة فيذكرُ في كلِّ نشرةٍ للأخبارِ على مسامعِ المشاهدين كلمةَ (الوطن). سألَ أباه عنه؟ فأجابه:
- هو الأَرْضُ، الماءُ والشعبُ... هو المنزلُ الذي نسكنُ فيه... هو الهواءُ النقيُّ الذي نستنشقُه... هو نحنُ.
سأله مرّةً أخرى في يومٍ آخرَ:
- هل يوجدُ في العالمِ إنسانٌ بلا وطنٍ؟
أجابه:
- نعم، هناك الملايينُ بلا وطنٍ، بلا مأوى.
تذكرَ لوقا عمه الذي تزوجَ في سنةِ 1981 ولم يمضِ على زواجِه عامٌ كاملٌ حتى قررَ الهروبَ ومعه زوجتُه، بعد أن رفضَ الالتحاقَ بقافلةِ حربِ الثَّمانينيَّاتِ من القرنِ الماضي، التي دارتْ رَحَاها بين وطنه وجُمْهُورِيَّةِ إيران. قالَ يومَها والده لشقيقِه: »تعالَ نذهبْ إلى كنيسةِ مار كوركيس في مدينةِ عنكاوا، نطلبْ من الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ أن يرسلَ ملاكَه الحارسَ معكما في الطريقِ لِكَيْ تَصلا بسلامٍ إلى الدولةِ الأوروبيةِ التي تتأملانِ أن تستقبلكما كلاجئينَ«.
استقلا مَرْكَبَةَ أجرةٍ (كوستر) سعةِ (21) راكبًا من مرآبِ الشمالِ في محافظةِ أربيلَ لتصلَ بهما إلى قضاءِ الصديقِ، ثم استقلا مَرْكَبَةً أخرى لتسيرَ بهما إلى قريةِ هَوديان. نَزلا ضيفينِ في منزلِ كرستو يلدا، وفي اليومِ التالي جاءَ المهرِّبُ ليسيرَ بهما كدليلٍ، وفقَ مبلغٍ معينٍ، إلى الحدودِ العراقيةِ - الإيرانيةِ البعيدةِ عن نيرانِ الحربِ.
فُقِدتْ أخبارهما لأَكثرَ من سنتينِ، بعدها سمعَ والدُ لوقا أن الهاربَينِ يعيشانِ في مملكةِ السويدِ، وقد رزقهما اللهُ ببنتٍ وابنٍ. وبعد أن انتهتْ تلك الحَرْبُ بشهرٍ كاملٍ، رنَّ جرسُ هاتفِ البيتِ، فإذا بالمتكلمِ عمُّ لوقا! فرحَ والده بنبأِ سلامةِ شقيقِه.
ظلَّ الشقيقانِ على اتصالٍ ببعضِهما عبرَ خطِّ الهاتفِ، كلَّ أسبوعٍ يتكلمانِ من خلالِه. بعد عدةِ أشهرٍ، كان الهاربانِ وولداهما في زيارةٍ للوطنِ. سألَ لوقا عمه الذي كان جالساً في حديقةِ الدارِ:
- هل تتذكرُ الوطنَ؟
لم يقدرْ عمه على الإجابةِ، واغْرَوْرَقَتْ عيناه في بكاءٍ عميقٍ مثلَ طفلٍ صغيرٍ. نشفَ دموعَه لِكَيْ لا يراه ولداه، أَمْسَكَ بِيَدِ لوقا وأدخلَه معه إلى البيتِ في غُرْفَةِ الاسْتِقْبالِ ليقولَ على مسمعِ الكلِّ:
- قبلَ سنينَ مضتْ تركتُ الوطنَ، لطفاً لا تتركوه أبدًا.
عرفَ لوقا المعنى الحقيقيَّ للوطنِ من خلالِ دموعِ عمه.
المحامي والقاص
مارتن كورش تمرس لولو
ملاحظة: هذه قصة قصيرة مرسلة خصيصًا للنشر في موقع تللسقف.
