
أوراق القلب – رسائل حب – ما تبقّى من الحلم(*)
صالح مهدي محمد
إليكِ... يا مَنْ كلّما ظننتُ أنّني استيقظتُ منكِ، اكتشفتُ أنّني ما زلتُ أحلم بكِ...
إليكِ كيف استيقظتُ من حلمٍ، وكيف كان شكل يومي والصباحُ.
نمتُ على كتف الليل، فأخذتني يدٌ من غير ذراع إلى بيتٍ بلا جدران. كنتِ هناك، تقفين في منتصف الماء، والماء واقفٌ احتراماً لقدميكِ. قلتِ لي: «تأخرتَ عنّي سنةً ضوئيةً»، فقلتُ: «بل أنتِ التي كنتِ تسكنين في عنواني القديم». ضحكتِ، فارتجف الماء حولكِ، وامتدّت دوائره حتى لامست قدميَّ، كأن ضحكتكِ ألقت حجراً في نهر عمري.
مشينا. كان الطريق يمتدّ تحت خطواتنا ثم يُطوى خلفنا، كأن الأرض تقرؤنا سطراً سطراً. كنتِ تمدّين يدكِ نحوي، وكانت المسافة بين أصابعنا تضيق... تضيق... حتى غدا الهواء بيننا خيطاً من ارتجاف. وحين أوشكتُ أن ألمس يدكِ، أفلتت اللحظة من أصابعي.
ثم استيقظتُ.
كان الصباح قد تسلّل إلى الغرفة، فيما ظلّ شيءٌ من المنام عالقاً بروحي. نهضتُ مسرعاً، وخرجتُ إلى الشارع بقميصي، أفتّش عن أثر تلك اللحظة، كأنني أستطيع استعادتها من مكانٍ مررتُ به في الحلم.
لكن الشارع كان قد سبقني إلى ضجيجه. ارتفعت أصوات الباعة، وتداخلت النداءات، واندفعت السيارات في الطرقات. نهش بوقٌ عابرٌ آخر خيطٍ من فستانكِ، ومرّت امرأة تنادي ابنها بنبرة تشبه اسمكِ، فالتفتُّ إليها كالمأخوذ، فإذا بوجهها يعيدني إلى يومٍ عاديّ يمضي بأعبائه الصغيرة.
كلما التفتُّ نحو صوتٍ، انتظرتُ أن أجدكِ في نهايته، وكلما عبرتُ وجهاً حاولتُ استعادة ملامحكِ من بين ملامح العابرين. وقفتُ وسط الزحام، أقبض على الهواء، وأتساءل كيف استطاع حلمٌ عابر أن يترك في داخلي كل هذا اليقين.
أردتُ أن أصرخ: «اصمتوا! لقد كانت هنا قبل قليل!»، لكن صوتي ذاب في ضجيج المدينة، ومضى الصباح كأن شيئاً لم يحدث.
يا حبيبتي...
ثمة أشياء تولد في الحلم وتعيش فينا كأنها ذاكرة أقدم من أعمارنا، وثمة وجوه تعبر المنام فتترك في الروح جغرافيا كاملة. أحياناً أشعر أنني أسير في نهار طويل، بينما قلبي يقيم في تلك الليلة، عند الماء الواقف، حيث تتدلّى النجوم من أطراف أصابعكِ، وحيث تنحني الساعات كي تمرّي.
أحببتُ فيكِ تلك المسافة التي كانت تقترب كلما مشينا، وأحببتُ صمتكِ حين كان يترجم ما تعجز عنه اللغات. كنتِ قصيدةً تمشي على صفحة الماء، وكلما حاولتُ قراءتكِ ابتلّت حروفي، وتحوّلت الكلمات في فمي إلى أسماكٍ صغيرة تسبح في دمي.
مع انقضاء النهار، عدتُ إلى غرفتي. جلستُ قرب النافذة أراقب آخر خيطٍ من الشمس وهو ينسحب فوق أسطح البيوت. كان المكان هادئاً، لكنني كنت أسمع خطواتنا القديمة، وأرى الطريق يمتدّ من جديد تحت قدميَّ. أدركتُ حينها أن الحلم ترك شيئاً منه في يقظتي، وأنني منذ استيقظتُ أحاول العودة إلى لحظةٍ لم تكتمل.
يا حبيبتي...
لعلّ الأحلام رسائل تكتبها أرواحنا حين تضيق بها يقظة الأيام؛ ولعلّنا نلتقي هناك لأن المسافات تفقد سلطتها، ولأن القلب يمتلك جغرافيا تخصّه، يعبر حدودها كلما اشتاق.
أعيش بين زمنين؛ زمن تمضي فيه الأيام بأسمائها المعتادة، وزمن آخر تقيمين فيه أنتِ، حيث تظلّ اللحظة التي جمعتنا قابلةً لأن تبدأ من جديد. وبينهما أحمل صورتكِ كما يحمل المسافر جهةً يعرفها، ويواصل السير إليها مهما تبدّلت الطرق.
لهذا أكتب إليكِ، لأحفظ ما تبقّى من تلك الليلة، ولأقول إنني سأعود إليها كلما أغمضتُ عينيّ. سأترك النافذة نصف مفتوحة، وأصغي إلى الليل وهو يستعيد هدوءه، لعلّ الطريق الذي مشيناه معاً يظهر من جديد.
انتظريني عند الماء الواقف.
وإن تأخرتُ، فربما استعار الصباح وجهي مرةً أخرى، وأرسلني إلى شوارعه المكتظة بالصخب والغبار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الرسالة (17) : ما تبقّى من الحلم, من الكتاب المخطوط: أوراق القلبـ رسائل حب.
