اخر الاخبار:
بيان صادر من احزاب شعبنا - الخميس, 23 أيار 2024 10:31
استراليا- اعلان عن امسية تشكيلية - الأربعاء, 22 أيار 2024 19:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• مدينة الشيطان / رواية - 2

القسم الثاني

في كل صباح، كان باص المدرسة الحكومية التي كنت أدرس فيها يمر ليأخذني من فيلا جدي، كنت في العاشرة من عمري، وكانت رغبة جدي ألا أدرس في مدرسة خاصة، كان يريدني أن أتعلم كباقي العاديين من الناس، وخاصة ألا يكون تعليمي موجهًا دينيًا، كان جدي يريدني أن أكون مثله علمانيًا. وكلما كنت أصعد في الباص، كان صديقي شلومو يحجز لي مكانًا إلى جانبه.

- إلى جانبي، إلى جانبي، كان شلومو يقول لي أول ما يراني أصعد في الباص.

فأتجه إليه، وأنا أنتفض من شدة شعوري بالسعادة للقياه. كان شلومو صديقي الحميم، أعز صديق حميم عرفته إلى اليوم. كنا أول ما نلتقي نبدأ باللعب بأيدينا، وبالضحك، لست أدري عن أي شيء كنا نضحك، لكننا كنا نضحك عن كل شيء، ولأي شيء، دون سبب معين. كنا نضحك، ونلعب بأيدينا. وكنا نُعدي كل من في الباص من تلاميذ، فيأخذون بالضحك مثلنا، وباللعب بأيديهم. وعندما كان الباص يقف ليأخذ عمر، لما كان عمر يصعد في الباص، كنا نتوقف عن الضحك، واللعب بأيدينا، وننظر إليه، كنا ننظر إلى العربي الوحيد الذي بيننا. لم يكن قذر اللباس عمر، ولم يكن بشعًا، ربما كان أنظفنا وأجملنا، لكننا كنا نتوقف عن اللعب بأيدينا، وعن الضحك، وننظر إليه. كان يجلس وحيدًا، ولم يكن ينظر إلى أحد، بينما كنا كلنا ننظر إليه. وبعد عدة دقائق، كنا ننساه، ونعود إلى الضحك، واللعب بأيدينا. كان الباص يقف من جديد ليأخذ حنان، لم نكن نعرف أن حنان عربية، فلم نكن نوليها اهتمامًا. كانت حنان تخف إلى الجلوس إلى جانب راشيل، وتأخذ الاثنتان بالضحك، وباللعب بأيديهما. وبين وقت وآخر، كانت حنان تنادي هذا أو ذاك، وتناكد هذا أو ذاك، وعندما يأتي دور عمر، كانت تبهدله: وجهك، شكلك، أصلك، فصلك، وتعمل حركات كالمهرج لتضحكنا عليه.

- عمر ابتعد، كانت حنان تقول له في الساحة.

- عمر اجلس وحدك، كانت حنان تقول له، ونحن في الصف.

- عمر لا تجب عندما يسألك المعلم، كانت تهمس في ظهره، ونحن في منتصف الدرس.

كانت حنان تعبر عما يجول في خاطرنا كلنا، لهذا لم نشكّ يومًا في كونها عربية.

- حنان، هل حفظت فصل المزامير الأخير عن ظهر قلب، كان المعلم يسألها.

- حفظت، كانت حنان تجيب.

- انشدي، كان المعلم يطلب، فتقف، وتنشد. حسنًا، اجلسي، فتجلس. وأنت، عمر، هل حفظت فصل المزامير الأخير عن ظهر قلب؟

- حف... كان عمر يقول، لكن حنان تضربه بقدمها، فيتمتم: لم أحفظ.

- افتح يدك، كان المعلم يأمره، فيفتح يده، ويضربه بعصاه بأقصى قوة على ضحكنا. هؤلاء هم أبناء عمنا، ينبر المعلم، ونحن نضحك من جديد. ثم يذهب في شرح مستفيض عن العربي واليهودي، وكلما قارن بين الاثنين المحاسن للثاني والمساوئ للأول كنا نطلق صيحات السخرية، وكان بعضنا لا يتردد عن رشق عمر بممحاة أو بمسطرة أو بورقة وحتى عن ضربه على رقبته والمعلم يدير ظهره.

لم يكن الأمر ليقف معنا عند هذا الحد، نحن التلاميذ الصغار، كان درس التاريخ الذي أكثر ما كنا نحبه يكفي لنحقد على عمر الذي لا ذنب له في شيء: تغلبنا على ثعالب الصحراء، ألحقنا بهم شر الهزيمة، بلنا على جثثهم، هربوا، وهم الكثيرون، من أمامنا، ونحن القليلون، أرضنا التي أعطانا إياها الرب، فكان علينا واجب طردهم، أرضنا، بحرنا، شجرنا، برتقالنا، زيتوننا، عوسجنا، صبارنا، فسوة كلبنا، بولنا، خرانا، وعمر الجميل الذي لا ذنب له، عمر النظيف، عمر الذكي، يسمع، ولا يفوه بكلمة واحدة. وعندما كنا نضحك على العرب، وحنان أولنا، كان عمر لا يضحك، فنرميه بممحاة، أو بمسطرة أو بورقة أو نضربه على رقبته، وهذه المرة، والمعلم يرانا، وهو يضحك معنا، ولا يفعل شيئًا.

في أحد الأيام، ونحن في الساحة، قال لي شلومو:

- تعال لنضحك على عمر.

ناديت حنان، وناديت راشيل، وقلت لهما:

- يريد شلومو أن نضحك على عمر.

- أنا لا أريد أن أضحك على عمر، قالت راشيل.

- لماذا لا تريدين أن تضحكي على عمر؟ سألتها.

- لأني لا أريد أن أضحك على عمر، عادت راشيل إلى القول، وذهبت. نادتها حنان:

- راشيل، تعالي نضحك على عمر.

- أنا لا أريد أن أضحك على عمر قلت لكم، صاحت راشيل، وذهبت تلعب مع البنات في طرف الساحة.

ذهبنا ثلاثتنا لنضحك على عمر، كان يلعب بالطابة وحده، فانتزعناها منه، ونحن نضحك عليه. حاول استعادة الطابة، فرميناها لغيرنا، وغيرنا لغيرنا، ونحن نضحك عليه، فانفجر عمر باكيًا، ونحن نداوم على الضحك عليه. أخرج من جيبه شفرة، وقطع عرق رسغه، ونحن نضحك عليه. جاءت راشيل، وراحت تصرخ، ونحن نضحك عليه. مات عمر بين ذراعيها، ونحن نضحك عليه.

بعد هذا الحادث، أخرجني جدي من المدرسة الحكومية، ولم يتركني أذهب إلى أية مدرسة أخرى. كان يريد أن يحميني، عاتبني:

- أنا جدك الذي يناضل من أجل التآخي في الاختلاف تعمل هذا!

لم أكن أفهم ما يعنيه، "التآخي في الاختلاف" ما هو، كنت صغيرًا. أو "التوحد في الاختلاف"، أو "التخري في الاختلاف". كان التلفزبون يتكلم كل يوم عن ترحيل العرب، وجدي المسكين يحكي عن التآخي في الاختلاف، والتوحد في الاختلاف، والتخري في الاختلاف، وما لست أدري ماذا في الاختلاف. جاءني بالأساتذة إلى البيت، وكلهم، كلهم على الإطلاق كانوا يعاملونني كأمير، كملك، كإله، لأنني من عائلة آدم، أغنى أغنياء إسرائيل والعالم، ولأني شيء خاص، يهودي. شيء خاص لأني يهودي. ومع ذلك، لم أكن أحب كل اليهود، لم أكن أحب أساتذتي، كنت أحب شلومو وراشيل وحنان، أما الباقين، فلم أكن أحبهم. كنت أحب جدي، فقط لأنه جدي، وعلى العكس، لم أكن أحب أحدًا من العرب بسبب عمر، نعم، بسبب عمر، لأنه انتحر، وجعلني أكره كل العرب. كان انتحاره بمثابة تحد لي، ولأن جدي عاقبني بإخراجي من المدرسة الحكومية، وأرهقني بكل هذا الموكب من الأساتذة الذين كانوا يعاملونني كأمير، كملك، كإله. كنت أنا من يصيح عليهم، وكنت أنا من يقرر أية واجبات عليّ القيام بها، وكنت أنا من ينهي الدرس ومن يبدأه. هكذا كنت أتصرف معهم جميعًا ما عدا واحد، معلم الرياضة، هذا لأني كنت مجنونًا بالرياضة، وكان معلم الرياضة يسحرني بطوله، بعرضه، بحركاته، بكل جسده، كنت أتمنى أن أصبح مثله لما أكبر، معلمًا للرياضة.

في أحد الأيام، ونحن نلعب في البركة، ضمني بين ذراعيه، وقبلني. هكذا دون مقدمات. سحبني إلى قعر البركة، وهو يقبلني. ولما كدت أختنق، طفا بي لآخذ نفسين أو ثلاثة، وعاد يسحبني إلى قعر البركة. نزع سروالي القصير، وفعل فيّ. تكرر الأمر في الأيام التالية، فوقعت في غرامه. كان يتمدد على حافة البركة، ويتركني أصعد كالحشرة على صدره، وأنا ألمس عضلاته، وأنا أتعلق بعضلاته. كم كنت سعيدًا. كانت عضلات شمشون، وكم كنت توراتيًا. كنت أكثر تدينًا من أكبر حريدي. عضلات شمشون. كنت ألثمها أحيانًا، وكان الأمر يديخه، ويديخني. كنت ألثمه من كل جسده، وبدوره كان يلثمني من كل جسدي. غدوت كبيرًا. بسرعة غدوت كبيرًا. وتفوقت في امتحاناتي على كل تلاميذ إسرائيل. صار لي من العمر خمسة عشر عامًا.

كان عيد ميلاد راشيل، وكان شلومو هناك، وحنان، وآخرون لم أكن أعرفهم، بعضهم من المدرسة التلمودية، وبعضهم من المدرسة العلمانية. كانت حنان تضحك على ضفائرهم الطويلة، تمسكها، وتلولبها، وتنفجر ضاحكة. ومن جديد، تمسكها، وتلولبها، وتنفجر ضاحكة.

- ما الذي يضحكك؟ كانت راشيل تسألها.

- لا شيء، كانت حنان تجيب.

- إذن لماذا تفعلين هذا؟

- لأني أحب ذلك.

- وهل تحبين الرقص؟ كان الشاب الحريدي يسألها.

- الرقص؟ أحب الرقص.

- الحانوكا.

- اليوم عيد ميلاد راشيل وليس عيد الحانوكا.

- هام... هام... هام... قال الشاب الحريدي، وهو يخبط بقدمه الأرض، ويدفع وسطه الأعلى.

- هام... هام... هام... قالت حنان، وهي ترقص مقلدة إياه، فأخذها الشاب بين ذراعيه، وراح يرقص بها: هام... هام... هام... نعم هكذا، وكلاهما: هام... هام... هام... قام كل الموجودين، وراحوا يرقصون: هام... هام... هام... فتحوا النافذة، وأخذوا ينادون: الموت للعرب... هام... هام... هام...

- لا، لا، صاحت راشيل بهم، أنا لست موافقة، وأغلقت النافذة.

عدت أفتح النافذة، وأنا أضحك كما لو كنت أضحك على عمر، وصحت:

- اليهودي ذو روح والعربي ابن شرموطة!

ومن ورائي كانوا كلهم يرقصون كما يرقصون أيام الحانوكا، ويلهثون: هام... هام... هام...

- قلت لا، صاحت راشيل، وهي تجذبني من كتفي، وتغلق النافذة. وأنا على كل حال سأطفئ شموعي.

- هام... هام... هام... قلت، وأنا آخذ راشيل بين ذراعيّ.

- اتركني، سِلِسْتا، رجت راشيل، أنا لا رغبة لي في الرقص. أبعدتني عنها، وأعطتني ظهرها.

- راشيل، رجوتها.

- قلت لا.

فتحتُ النافذة للمرة الثانية كي أعاندها، وصحت:

- الموت للعرب!

إذا براشيل تضربني على ظهري بقوة، وتدفعني، ولولا أنني تشبثت بحافة النافذة لوقعت، وكان مصيري الهلاك. جمد كل من كان هناك على مرآي، فتوقفوا عن الرقص، وغادروا المكان زعلين. كانت راشيل تصرخ من ورائنا معتذرة، وترجونا الرجوع، لكننا لم نرجع. سمعنا بكاءها، فلم نهتم. خيل لي أني سمعتها تقول "أحبك، يا سِلِسْتا"، فاستدرت، لكن أصحابي دفعوني من أمامهم، وراحوا يركضون كالشياطين في الشارع، وهم يصرخون:

- تعال لو كنت رجلاً واضرب العرب!

وتلك الأصداء:

- الموت للعرب... الموت للعرب...

صاحت حنان من زقاق:

- هناك من العرب من أراد اغتصابي.

فهرعنا جميعًا نبحث عن المعتدين في ظننا، ووقعنا على عابر. انقضضنا عليه، ونحن نضربه كما لم نضرب أحدًا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا، وبأقدامنا، وبقبضاتنا... فجأة تركناه يعوم في دمه، وهربنا. كان بعضهم يرانا، ولا يفعل شيئًا، وعندما علت صفارات سيارات الشرطة خَبَّأَنَا الناس في ديارهم.

- لماذا؟ صاح بي جدي، فلم أجب. من أين لك هذه الروح الشيطانية؟

انفجرت باكيًا.

- هذا حسن، البكاء من الندم، هذا حسن، همهم جدي.

لم أكن أبكي لندم، بكيت لأن راشيل قالت لي أحبك، ولم أستطع الرد عليها. لم يحتجّ أحد عما فعلنا. لم يرفع أحد إصبعه في وجوهنا. نقل التلفزيون بعض الهمهمات في الكنيست، وبعض الهمسات في الحكومة، المتأخرة. دومًا المتأخرة. كان علينا أن نقتلهم في "الأراضي"، إذن ما فعلناه لم يكن ذا أهمية.

- ستذهب إلى باريس، إلى مدينة النور، قال لي جدي. أنت متقدم في دروسك. ستعد للبكالوريا كمرشح حر.

وذلك ما حصل، لكني لم أنجح من المرة الأولى، وبعد مضي عامين، عدت بدبلومي إلى مدينة الشيطان، ولي من العمر سبعة عشر عامًا.

*

- تعال، طلبت أبولين دوفيل من سِلِسْتا، اجلس ما بيننا.

- نعم، تعال، طلب فرانك لانج، وهو يترك لسِلِسْتا مكانًا بينما تمد ضابطة المخابرات الخارجية له يدها.

تردد سِلِسْتا قليلاً، ثم جر نفسه، وجلس ما بينهما.

- يا ولدي، همهمت أبولين دوفيل.

فانفجر سِلِسْتا باكيًا. تركته يبكي على كتفها، وحمل فرانك لانج له منديلاً.

- امسح دموعك، رجاه رجل التحري الخاص.

بعد عدة لحظات، توقف سِلِسْتا عن البكاء. أخذ المنديل، ومسح دموعه. وهو يعيده لفرانك لانج، ضحك، فضحك التحريان.

- هل تريدان أن تسمعا باقي الحكاية؟ سأل الشاب المعذب الضمير.

- نريد، ولكن... قال فرانك لانج.

- وضعه لا يسمح بذلك فرانك، قالت أبولين دوفيل.

- وضعي لا يسمح بذلك، همهم سِلِسْتا.

جاء الرجل الذي يكلم نفسه، وسألهم:

- لماذا تأخر القطار الذاهب إلى أوشفتز؟

ركّز ثلاثتهم النظر على الرجل دون أن يفوهوا بكلمة واحدة، فتابع:

- طلبوا مني أن أستعد للذهاب إلى أوشفتز، وأن أنتظر القطار، وها أنا أنتظر منذ الصباح دون أن يأتي. سأغضب غضب يعقوب على أبنائه إذا ما بدلوا رأيهم.

تركهم وسار خطوتين، ثم التفت، وهمهم:

- لقد أخبرتهم هناك بمجيئي، وتجدونهم الآن قلقين عليّ.

سار هذه المرة مبتعدًا، وغادر الحديقة.

انحنت أبولين دوفيل، ولمست قدميها بأصابع مرتعشة، وهي تقول:

- عاد الألم إلى قدميّ فرانك.

- لا تفكري فيه، يا حبيبتي، همهم فرانك لانج.

- لا أستطيع فرانك.

- أرجوك، يا حبيبتي.

- سأحاول فرانك.

- حاولي، يا حبيبتي.

- سأحاول، لكني لا أعدك بشيء فرانك.

- كلما جاءت أمي إلى القدس تشعر بالألم في قدميها، همهم سِلِسْتا,

- إذن لست أنا فقط فرانك.

- لست أنت فقط، يا حبيبتي.

- لطيف منك أن تدعوني هكذا فرانك.

- آه، لو كنت أشعر بالألم بدلك، يا حبيبتي.

نهض المتسول فجأة، وراح يصرخ: اقتلوهم! اطردوهم! ثم تقدم منهم، وهمهم:

- كل أبناء الجن! وطلب: قطعة صغيرة لابن الجن هذا. لكنه أعطاهم ظهره، وفرانك لانج يبحث في جيبه، وغادر الحديقة.

وضع سِلِسْتا وجهه بين كفيه، وذهب لبعض الوقت غائبًا، ثم رفع رأسه، وهمهم:

- في الجامعة العبرية كنا ندرس علم النفس أنا وراشيل وحنان وشلومو، لماذا علم النفس؟ كنا نقول لأن مجتمعنا مريض يجدر بنا معالجته. ليس شفقة منا عليه، وإنما لأنه مريض، لأن أفراده في الليل لا ينامون، لأنهم يشعرون بالألم، فيهم الأرق ينمو والألم، لأنهم لا يعيشون كباقي البشر، ليس لأن هذا قدرهم، كما تقول الأسطورة، ولكن لأنهم لا يعيشون كباقي البشر، لأنهم لا يحبون كباقي الناس ولا يكرهون كباقي الناس. حنان وشلومو أرادا الزواج قبل التخرج، وأنا وراشيل قلنا سننتظر حتى التخرج. في أحد الأيام، ونحن في الممر، أنا وراشيل، جاء شاب طويل عادة ما ألتقيه دون أن أكلمه أو يكلمني، يشبهني، أشقر مثلي، ومثل جدي، وعيناه خضراوان، ومن العمر له ما لي، وسألني إذا ما كانت لنا أم واحدة. ضحكت، وقلت إنني لا أعتقد، وإن أمي لم تلد أحدًا غيري. رأينا حنان وشلومو يركضان، وما أن وصلا قربنا دقا الشاب في صدره، وقالا له بعداء:

- ابعد من هنا، يا عمر!

شتمهما الشاب، وذهب مسرعًا.

- عمر! ما هذا الهراء؟ صاحت راشيل.

- إنه عربي، أوضحت حنان.

- لم أكن أشك لحظة واحدة، همهمتُ.

- وماذا في ذلك برب السماء؟ عادت راشيل إلى الصياح.

- يتكلم العبرية بطلاقة، قلت، وفوق ذلك يشبهني.

- أنت مثلهم، نبرت راشيل، كلكم تثيرون اشمئزازي.

وذهبت.

- راشيل!

ولم تلتفت.

ذهبنا ثلاثتنا إلى المقهى الواقع على الرصيف المقابل للجامعة، وأخذنا نشرب البيرة كمن لم يشرب أحد، الكأس تلو الكأس، لست أدري لألم لا نشعر به في ضمائرنا أم في أقدامنا. كنا نشرب، ونحن نفكر في سارة تارة، الجميلة سارة، زوجة أبراهام، ونحلم بامتطائها، نحلم بامتطائها نحن الثلاثة، ونحن نفكر في نبوخذ نصر تارة، القوي نبوخذ نصر، بطل سبينا، ونحلم بفتح أفخاذنا له نحن الثلاثة. كنا لا نعلم عن هويتنا شيئًا، ولا عن الطريقة التي نثبت فيها ذلك. في تلك اللحظة الخطيرة من لحظات عمر الإنسان، اللحظة التراجيدية، اللحظة الملخّصة لعبث الوجود، للعبث بكل بساطة، دخل المقهى الشاب الذي يشبهني. كان قد شرب هو الآخر الكثير من الكؤوس، وكان يبحث عنا كما فهمنا:

- ها أنا أجدكم أيها المختارون، وأنا ما جئت إلا لأبول عليكم.

فتح بنطاله، وأخرج عضوه، وراح يبول علينا، فأثار فعله كل من كان في المقهى ضده. هجم الزبائن عليه بقبضاتهم وأقدامهم، ونحن أولهم، وكدنا نقتله لولا تدخل صاحب المقهى والنادل العربي الذي يعمل عنده. جاءت الشرطة، وألقت القبض علينا، وجاء الإسعاف، ونقل "الملنّش" إلى أقرب مستشفى.

*

نهض سِلِسْتا بعد صمت لم يطل، وقال:

- سنذهب إلى مقهى، هكذا ستمشي أبولين قليلاً.

- سأمشي قليلاً، همهمت أبولين دوفيل واقفة، هذا ما أحتاج إليه.

- هل ما زلت تتألمين؟ سأل فرانك لانج مهتمًا.

- صعد الألم إلى ساقيّ، أجابت ضابطة الدي جي إس إي.

- إذا استمر الألم، قال سِلِسْتا، عليكِ أن تعودي طبيبًا.

تأوهت أبولين دوفيل مع خطواتها الأولى، فلاح على وجه فرانك لانج القلق. فتح سِلِسْتا هاتفه المحمول، وطلب سامي:

- ما الأخبار؟ لقد تم دحر الجنود؟ كل شيء هادئ؟ أنا لن أتأخر، سأعود بعد قليل.

وأقفل. أعاد الهاتف المحمول إلى جيبه، وقال، وهو يبتسم:

- لقد تم دحر الجنود.

- وحتى متى الكر والفر؟ سأل فرانك لانج بلهجة جسيمة.

- حتى تحرير القدس منهم، أجاب سِلِسْتا بنفس اللهجة الجسيمة.

- منهم؟ همهمت أبولين دوفيل، وهي تخطو ببطء.

- منهم كلهم، قال ابن الملياردير الفرنسي، المترهلون الذين هم هنا منذ الاستقلال، والمتطرفون الذين يغطسون في الدين حتى أذنيهم. نحن اليوم لا نفكر بعضلاتنا ولا بطلاسمنا، نحن اليوم نريد التآخي في الاختلاف، كما كان يقول جدي، التآخي ما بيننا، والتآخي ما بيننا وبين الفلسطينيين. عقلية الاستقواء والاستعداء لم تعد تمشي، هذه العقلية تخنقنا، القوي هو القادر على إقامة السلام، لكننا ضعاف، وجبناء، أجبن من الأرانب نحن، مسرح عرائس أمريكا، تترك المترهلين يفعلون، لأن في هذا مصلحتها في الهيمنة علينا أولاً وبعد ذلك على كل المنطقة، مصلحتها في نهب الثروات واسترقاق الأرواح. المترهلون الذين هم حكامنا عليهم أن يذهبوا، بالقوة لو أحوج ذلك، لقد صنعونا نعاجًا منذ مولد الدولة، منذ مولد الدولة، ونحن نعاج، لكن جاء الوقت ليثور المصنوع على صانعه، هذه ليست أسطورة، إنها قوانين العلم.

كانوا على مقربة من مقهى، فقال سِلِسْتا:

- هنا، ما رأيكما؟ سنجلس في الداخل.

أول ما رآه صاحب المقهى يدخل بصحبة الفرنسيين عرفه، وجاء مرحبًا:

- صورك الجميلة في الجرائد أعرف الآن لماذا؟

- شكرًا، قال سِلِسْتا دون أن يبتسم.

- أنت وصاحباك طلباتكم على حساب البيت، قال صاحب المقهى، وهو يبتسم، بينما سِلِسْتا وأبولين دوفيل وفرانك لانج يجلسون من حول طاولة. كل هذا الخراء يستحق الاحتفال بالفعل.

- كل هذا الخراء، أعاد سِلِسْتا، وهو يبتسم هذه المرة.

- على الرغم من أنني ضد، أضاف صاحب المقهى دون أن يبتسم. سأقول لك لماذا أنا ضد، لأننا لم نكف عن التضحية، وكأن يهوه غير مقتنع بما نفعل، فكانت تضحيتنا كبيرة ليس لهل مثيل في التاريخ، كان علينا أن نبني البلد وأن ندافع عنه. أمة مثلنا لم تخلق، لهذا أنا ضد كل هذا الخراء. لكنه خراؤكم. خراؤنا كان شيئًا آخر، لكل جيل خراؤه، وهذا خراؤكم، فكلوه.

- أن تأكل خراءك أفضل من أن تأكل خراء غيرك، همهم سِلِسْتا، الكلاب فقط من تأكل خراء غيرها.

- خراءها وخراء غيرها تريد القول، همهم صاحب المقهى.

- ماذا تريدان أن تأخذا من خراء؟ سأل الإسرائيلي الفرنسيين.

- هل هناك خراء وخراء؟ تهكم فرانك لانج.

- هناك، أجاب سِلِسْتا.

- سآخذ بيرة، قال فرانك لانج، إنها أكثر الخراءات احتمالاً.

- وأنت مدموزيل؟ سأل صاحب المقهى، وهو يبتسم للوجه الساحر.

- خذي خراء مثلي، تدخل رجل التحري الخاص، ستشخين، وسيخفف هذا من ألم قدميك وساقيك.

- واحد خراء مثله، قالت أبولين دوفيل، وهي تبتسم.

- وأنت، أي خراء تريد؟ سأل صاحب المقهى سِلِسْتا، وهو يبتسم.

- واحد عصير برتقال، طلب الشاب الثوري دون أن يبتسم.

- شكرًا للجميع، همهم صاحب المقهى قبل أن يذهب.

- بعد الحادث مع الشاب الذي يشبهني، قال سِلِسْتا أول ما ابتعد صاحب المقهى، أخرجني جدي من مركز الشرطة بكفالة. كان يشعر بالعار، طوال الطريق إلى البيت، ونحن في السيارة، كان يردد: يا للعار! يا للعار! كان يسوق السيارة، ويردد دون أن ينظر إليّ: يا للعار! يا للعار! كان يشعر بالعار، كل القيم التي كانت له بفعلي ذاك أفرغتها، كل المبادئ التي كان يدافع عنها دستها، كل ما كان يبنيه هدمته. كنت أختلس النظر إلى جانب وجهه، فأراه، وقد غدا هرمًا دفعة واحدة، كان جدي كبيرًا في السن، ولم يكن هرمًا، غدا جدي هرمًا، كان يشبه الليث، وغدا يشبه الجرذ. يا للعار! يا للعار! كان يردد طوال الطريق. لم يتوقف عن ترداد: يا للعار! يا للعار! عندما وصلنا، نزلت من السيارة، وأنا أطرق بابها، وذهبت. ناداني: سِلِسْتا! عُدْ! سِلِسْتا، قلت لك عُدْ! لا تترك جدك وحده، عُدْ! سِلِسْتا! ذهبت إلى المستشفى. المستشفى الذي تكلمت عنه كل الجرائد عندما تكلمت عنا.

- أخوك في الغرفة 21، قالت لي إحدى الممرضات في الممر، وهي تغذ السير.

كنا نشبه بعضنا شبهًا كبيرًا، وكأننا توأمان. اقتربت من الباب الزجاجي بحذر، وألقيت نظرة على من هم في الداخل، فصعقني ما رأيت. رأيت امرأة في الأربعينات شديدة الشبه بجدي، بي. كانت تتصفح مجلة، وهي تجلس على مقربة...

- ها هي خراءاتكم الثلاثة موسيو وموسيو ومدموزيل، قاطع صاحب المقهى السارد، وهو يضع كأسي البيرة وكأس العصير قبل أن يفرنقع.

- عدت أدراجي، وانتظرت على مقعد منعزل إلى أن خرجت المرأة التي قلت لنفسي إنها أمه. كان "توأمي" لم يزل غائبًا عن الوعي، وكل الأجهزة من حوله تعمل. لكن الشعور بالوعي لدي كان كبيرًا، كان كبيرًا بقدر الشعور بالعار لدى جدي. الشعور بالعار، يحصل الشعور بالعار حتى في إسرائيل عندنا، كالشعور بالوعي، كالشعور بالضياع، كالشعور بالتميز، كالشعور بالتفوق، كالشعور بالخراء، الخراء، الخراء وأنت تغرق فيه حتى أذنيك، كالشعور بالضعة حتى، كل المشاعر عندنا تأخذ منحى وجوديًا، كانت حياتنا هكذا، هكذا صنعونا، منذ كنا هكذا صنعونا، الشعور بالعار أهم شعور لأنه ينبثق من أعماق الإنسان، فيكون الوعي بكوني إنسانًا، ووعيي بكوني أنسانًا يفتح عينيّ على كل الإنسانية، تنتهي عندئذ الحروب والصراعات وكل الخراءات الأخرى، ولكن لا تنتهي السلطة ولا التسلط، السلطة، المطامع، الحسابات الخسيسة، الحسابات المصرفية، الحسابات الشخصية، الدهاليز، الأنفاق، الدسائس، المكائد، التسابق مع الزمن الضائع، باختصار، إلقاء العالم في أفواه أسماك القرش. محو الأمل، احتلال الحلم، ذبح الفرح. المطاردة. الغطرسة. البغضاء. اللهاث. القلق. الأرق. السقوط. سعادة السقوط. لذة الأرق. أفيون القلق. الاستعداد الدائم للفعل. أي فعل؟ أنت لا تدري. عليك أن تكون أهبًا. التلويح بتهديد دائم. تهديد دائم إذن خطر دائم. وهم. إيهام. دم. إدمان. خنق الحياة. الحياة دون طعم. العمل دون رغبة. العمل. فقط العمل. لأني هنا عن غير حق أقطع الطريق على كل حق. أرفض. أهرب. أماطل. أعتدي. أناور. أكذب. أكذب. أكذب. الكذب على العالم. الكذب على الله. الكذب على النفس: آه! ما أزكى الحياة. آه! ما ألذ العمل. آه! ما أخرى الحب. دون طعم. دون رغبة. دون خراء غير خراء الحب. خراء التقوى. خراء الإخلاص. خراء الفداء. خراء الخراء. كل هذا لا ينهيه الشعور بالعار، ما ينهيه الخراء الذي نصنعه في ساحة الحرية، خراء له رائحة المسك، لأنه جماعي، وجذري، وشرطي، ومن جوه التاريخ، لأنه تاريخي.

جاءت الممرضة، وقالت لي:

- أخوك لن يفيق قبل ساعات.

- سأبقى طالما لم يفق.

- وإذا لم يفق طوال الليل؟

- سأبقى.

- هل أنتما توأمان.

لم أجب.

- بالنسبة لي أنتما توأمان.

لم أعلق.

- هل رأيت ما فعل به الأوغاد؟

حنيت رأسي خجلاً.

- الأوغاد! كادوا يقتلونه.

نمت على المقعد إلى جانب الصابر، وعندما فتحت عينيّ في الصباح، وجدته ينظر إليّ. أحرجني ذلك، فنهضت، وأنا أتمتم عبارات الأسف، وذهبت. عدت في اليوم التالي، فقالت لي الممرضة، وهي تنتفض من شدة السعادة:

- توأمك تناول "كورن فليكسه" هذا الصباح، ونزع له الطبيب كل البرابيج.

لمحني "توأمي"، وأنا أسترق النظر إليه من الباب المزجج، كانت أمه هناك، فأردت التراجع، لكنه أشار بيده إليّ كي أدخل. دخلت مترددًا، و"ضحيتي" تقول:

- إنه هو.

تقدمتُ، وسلمتُ عليه، وهو يبتسم. كان يكفي أن أسلم عليه، فأنزع عني ثوب الوغد. أشارت أمه إليّ بالجلوس مكانها، وبعد قليل، همهمت:

- أشكرك، ما كان من اللازم أن تقضي الليل إلى جانب سامي.

- سامي، همهمت.

- وأنت، ما اسمك؟

- سِلِسْتا.

- سِلِسْتا، همهم سامي.

- سأترككما لتتعارفا.

ابتسمت لنا، وذهبت.

*

حضر بعض الإثيوبيين، وهم يصاحبهم الضجيج، فجاء النادل، وطلب منهم:

- الهدوء لو سمحتم!

- أترى؟ قال أحدهم للآخر.

- هكذا دومًا، نحن نخريهم من أجل لا شيء، قال الثاني.

- أنتم لا تخرونني، أكد النادل، طلبت منكم الهدوء، هذا كل ما هنالك.

- لأننا نزعج أمك، وهي في مخراتها! رشق الثالث.

- أنتم لا تزعجون أمي، وهي في مخراتها، ولكن ربما تزعجون الزبائن، رد النادل، وهو يشير إلى سِلِسْتا وأبولين دوفيل وفرانك لانج.

- بل نزعج أمك، وهي في مخراتها.

- كيف أؤكد لك؟

- نزعج أمهاتكم كلكم، وهن في مخراتاتهن.

- سولومون، نادى النادل على صاحب المقهى، تعال لترى.

- ليس من الضروري، قال الإثيوبيون قبل أن يغادروا المقهى.

- يقولون إنهم يزعجون أمهاتنا كلنا، وهن في مخراتاتهن، رمى النادل مع قدوم صاحب المقهى.

- وماذا بعد؟ قال صاحب المقهى غير مهتم.

- لهذا ذهبوا.

- فليذهبوا.

أشار فرانك لانج إلى صاحب المقهى قائلاً:

- نفس الشيء.

- على حساب البيت، والله.

- لا، صاح سِلِسْتا.

- بلى، أكد سولومون، قبل أن يضيف: لتفعل شيئًا سِلِسْتا.

- أفعل شيئًا ماذا؟

- لتفعل شيئًا.

وذهب.

- سأذهب إلى التواليت، قالت أبولين دوفيل.

- هذه إشارة حسنة، قال فرانك لانج مبتسمًا.

انتظر الرجلان عودة الشقراء الساحرة دون أن يفوها بكلمة واحدة، وضع صاحب المقهى الكؤوس الثلاث على الطاولة، ورمى باتجاه سِلِسْتا قبل أن يذهب:

- لتفعل شيئًا.

- وألمك؟ سأل فرانك لانج أبولين دوفيل، وهي تقترب.

- أحسن قليلاً.

- ألم أقل لك؟ بصحتك، هتف طارقًا كأسه بكأسها بعد أن جلست.

- بعد ذلك، غدا سامي صديق قلبي، همهم سِلِسْتا مغتمًا. أحببته بقدر حبي لراشيل، فغارت راشيل منه، وبدأت تكرهه. لم تكن تعرف أننا ننام معًا، لكنها دومًا ما كانت تردد: أنا أو هو. لم تعد راشيل التي أعرف، راشيل الوادعة، الخيّرة، الهيومان. أخذت تحضر اجتماعات المتطرفين، تصفق معهم لما يصفقون، وتصرخ معهم لما يصرخون. كانت طريقتها في الضغط عليّ: أنا أو هو، كانت تقول، فقلت هو دون أن أقول. أنا أيضًا كنت أعمل الشيء نفسه كراشيل عندما أقضي كل ساعات فراغي في حجرة سامي من السكن الجامعي. كنت أريد القول هو دون أن أقول، فتشعر راشيل بخطر ما هي مقدمة عليه، وتنقذ علاقتنا. أنتِ وهو، كنت أريدها أن تعرف، وتقتنع، وتسلم بالأمر.

في أحد الأيام، طلبت من سامي المجيء معي إلى البيت، فجاء. أحب غرفتي، وفي الصالون تأمل صورنا. حمل صورة جدي شابًا، وفحصها بعين صقر. كان كمن ينظر إلى صورته. أعاد الصورة إلى مكانها دون تعليق. كان يبدو مشغول البال. ونحن نقف على حافة البركة، دفعته بثيابه فيها، وأنا أقهقه. كانت طريقتي لغسل هَمٍّ لم أكن أعرف له سببًا. لم يكن يعرف له سببًا. الأقدار ليست أقدار البشر، الأقدار أقدار الصور. آخر مستجدات علم النفس تقول كل الأوديسة أقدار أبطالها ليست أقدار البشر بل أقدار الصور. أوديب كان صورة عنه، عوليس، أخيل، هرقل، حتى الآلهة، زوس، أثينا، فينوس، أبوللو. الأقدار أقدار الصور. ونحن نتعانق في البركة، كانت صورنا هي التي تتعانق. كنت وأنا ألمس قضيبه، أشعر بكل تراجيديا شعبي منذ الخروج، وكانت تراجيديا شعبي صورة من الصور، ككل تراجيديا، كتراجيديا شعبه، فالتراجيديا واحدة. التراجيديا ليست عنصرية، التراجيديا كأقدارنا، أقدار الصور. كان جسده كل المتعة، ككل تراجيديا مرعبة، وكل الموت. وأنا أدخل في جسده، كنت أشعر بالوقت يضغط على فمي، يريد خنقي. إنه الوقت الزائل، اللاصورة، الوقت الذي لا بد منه وقت المتعة. كان علينا أن نقتل الشهوة لنخلص من زمن المتعة، زمن الاغتصاب. وأنا بين ذراعيه، كنت أشعر بأني المغتصِب، على الرغم من كل استسلامي له. كان عليّ أن أستسلم كلي له لأفهم أني المغتصِب. كلي. أن أستسلم له كلي. أن أدخل في صورتي، صورتي التي هي قدري، وأن أتركني إلى جانب صورته صورة أخرى معلقة على الجدار.

دخل جدي علينا، ورآنا كشيطانين من شياطين القدس. لم يكن جدي يفهم أقدار الصور، كان ككل البشر بشريًا. أمرنا بالخروج من البركة، والمجيء إلى مكتبه في الحال. اغتسلنا، وارتدينا ثيابًا نظيفة. لما وقعت عينا جدي على سامي، وكأن صاعقة دكته. أمرنا بالانصراف، بالابتعاد عن ناظريه. ونحن نغلق الباب من ورائنا، سمعناه يبكي، كان يبكي، ويصرخ كطفل، مما أذهلنا نحن الاثنين.

*

- آه، يا إلهي! همهمت أبولين دوفيل.

- إنه ألم قدميك وساقيك، همهم فرانك لانج.

- وفخذيّ، تلفظت الشقراء الفرنسية بصعوبة.

- نفس الشيء، قال سِلِسْتا لصاحب المقهى، وهو يمر من جانبه، بشرط ألا يكون على حساب البيت.

- اطلب كل ما في البيت على حساب البيت، رد سولومون، وهو يحتضن سِلِسْتا، ويضيف: لتفعل شيئًا.

فجأة، إذا بمجموعة من الحريديم بمعاطفها الطويلة السوداء وقبعاتها السوداء ولحاها السوداء وخصلاتها السوداء وطاليتات البعض منها من نساء ورجال، تنبثق من اللامكان، وهي تطبل وتزمر وترقص وتغني باليديش. خرج سولومون، وأخذ يصفق مع المصفقين.

- إنهم الحريديم، همهم سِلِسْتا، وهم يحتفلون بقرار وزير الإسكان.

- أي قرار؟ سأل فرانك لانج.

- إنشاء وحدات سكنية للمتدينين في مستعمرة وادي عرعرة.

عاد سولومون يدخل مقهاه، وهو يبتسم، ويقول لِسِلِسْتا:

- لتفعل شيئًا.

ما لبثت المجموعة أن ابتعدت، وحط الصمت، صمت ديني مما لا يوجد له مثيل إلا في القدس.

- وكيف كان رد فعل سلمى، اسمها سلمى أم سامي، ماذا كان رد فعلها لما عرفت؟ سألت أبولين دوفيل.

- لم تشأ أن تفهم شيئًا، أجاب سِلِسْتا، ذهبت عند زوجها في معتقل اللد، واكتفت بالبكاء على صدره.

- وراشيل؟ سأل فرانك لانج.

- أسعدها ذلك، أجاب سِلِسْتا، فلم يعد سامي منافسًا لها، رأته مذ عرفت كقريب لي لا أكثر.

- ولماذا انتحرت إذن؟ عاد فرانك لانج يسأل.

- لا تقل إذا كان الأمر يزعجك، طلبت أبولين دوفيل.

- عندما بدأت الاحتجاجات الاجتماعية، كنا كلنا هناك، أنا وسامي وشلومو ودافيد، دافيد تعرفنا عليه أثناء الاحتجاجات، وحنان وراشيل، لم تكن الحركة قد تحولت إلى انتفاضة، فرأتنا راشيل، ونحن نقبّل بعضنا خلسة، أنا وسامي. خلال محاولة تفريقنا من قبل رجال الشرطة، انعزلت في الخيمة، وفتحت قارورة الغاز. ظن الناس أنها بفعلها ذاك أرادت أن تحتج على العنف الذي مورس ضدنا، فهاجوا، وماجوا. من ناحية اطفأت راشيل روحها، ومن ناحية أشعلت نار الثورة.

- ها هي طلباتكم على حساب البيت، هتف صاحب المقهى، وهو يضع الكؤوس أمامهم، ويقول لسِلِسْتا: لتفعل شيئًا.

- للمتابعة اذهب الى الصفحة الثالثة / انقر التالي ادناه

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.