للذهاب الى صفحة الكاتب   

العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي

زكي رضا

الدنمارك

 

مرّت أكثر من خمسة أشهر على انتهاء الانتخابات العراقية 2025، دون أن تتمكن القوى السياسية وعلى رأسها الشيعية الممثلة بالأطار الشيعي "التنسيقي"، كونها القوى التي عليها تقديم مرشح منها ليتبوأ منصب رئاسة الوزراء وفقا لنظام المحاصصة ، والبدء في تشكيل حكومة محاصصة جديدة لن تختلف عن سابقاتها، في فشلها المزمن في معالجة قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت لسنوات طويلة. كونها هي من تمأسس لهذا الفشل. هذا التأخير تجاوز العديد من المسلمات السياسية، ليتحول الى عقدة سياسية طالما كانت موجودة عند كل موسم من مواسم تشكيل حكومة عراقية. فهل ما يجري اليوم هو أستعصاء سياسي، أم أستهتار سياسي..؟

 

للوهلة الاولى تبدو أزمة ترشيح رئيس وزراء كأنها نتيجة خلافات داخل البيت السياسي الشيعي، وتحديدا داخل قوى مثل الإطار التنسيقي، التي تقع عليها مسؤولية تسمية رئيس الوزراء وفقا للعرف السياسي القائم في ان تكون الكتلة الاكبر (يحددها القضاء وفق مزاج القوى الدينية الشيعية)، مسؤولة عن تقديم مرشحها للمنصب. لكن أستمرار الخلافات هذه لا تعبر عن اختلافات في وجهات النظر فقط، بل تحولت الى عجزعن تقديم شخصية تحظى بقبول اطراف التحالف الشيعي من جهة، وقوى اقليمية مسؤولة عن ملف تشكيل الحكومة من جهة ثانية، يضاف اليها هذه المرة بقوة اكبر من سابقاتها، تدخل امريكي.

 

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الاستعصاء السياسي. مع تجاوز المدد الدستورية، لأن استمرار التأخير في تشكيل الوزارة يعني أن المشهد أقرب إلى الاستهتار بالعملية السياسية نفسها. الانتخابات وعلى الرغم مما يحيط بها من ملاحظات عديدة، فانها وعلى الرغم من كل شيء تمثل تعبيرا عن إرادة الناخبين او هكذا يجب ان تكون، وتعطيل نتائجها بهذا الشكل يضعف ثقة الناس بالنظام السياسي برمته.

 

ان "العملية السياسية" وعوضا ان تكون انعكاس لأرادة الناخبين، تبدو انها جزء من ملفات سياسية اقليمية ودولية، ولا علاقة لها بحاجة شعبنا الى تشكيل حكومة قادرة على تلبية مصالح الناس، وابعاد البلاد عن التجاذبات السياسية المتوترة التي تمر بها المنطقة. لذا فأن ما يجري في الغرف الشيعية المغلقة من عدم حسم المنصب بسرعة، لا يعني استعصاء سياسي، قدر ما هو استهتار سياسي.

 

الاستهتار السياسي لقوى الاطار لا ينحصر بتشكيل الحكومة فقط، بل هو تعبير عن ازمة سياسية تلقي بظلالها على ما تسمى بالعملية السياسية برمتها، كما وانها تفضي الى انعدام ثقة الناس ليس بما افرزته العملية الانتخابية فحسب، بل بعزوفها عن الفعل السياسي والنشاط السياسي والاحزاب السياسية.

 

الأزمة اليوم هي استمرار لطبيعة النظام القائم على المحاصصة الطائفية - القومية، هذا النظام الذي أثبت منذ اعتماده اثر الاحتلال الامريكي لقيادة البلاد، عجزه عن إنتاج حكومات تخدم شعبنا ووطننا من خلال تبني سياسات وطنية. فبدلاً من أن يكون إطارا وطنيا لا شيعيا أو غيره، نرى انه تحول إلى آلية لتقاسم السلطة على حساب الدولة. لذلك فإن الخروج من هذا المأزق لا يقتصر على تسريع تشكيل الحكومة، بل الى مراجعة جذرية لقواعد وأسس العملية السياسية نفسها، بما يضمن قيام نظام يقوم على الكفاءة والمواطنة، لا على المحاصصة والتوازنات السياسية. أن استمرار قوى المحاصصة في التنازل للضغوط الاقليمية والدولية، يفرغ القرار السياسي من مفاهيمه الوطنية ويجعله عرضة لتدخلاتهم بما يضمن مصالحهم التي هي على حساب شعبنا ووطننا.

 

لن تقوم للعراق قائمة في ظل نظام المحاصصة الطائفية القومية

 

زكي رضا

الدنمارك

26/4/2026