
بين الذاكرة والجغرافيا: الآشوريون وصدى الرصاص
غسان يونان
لم تكن معاناة الآشوريين مجرد فصل عابر في تاريخٍ مضطرب، بل هي سردية طويلة من المآسي المتكررة، حيث تتقاطع السياسة مع الهوية، ويُختزل الإنسان في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. من قرى سهل نينوى إلى مدن الشتات، ظل صوت الرصاص أعلى من صوت الحياة، وكأن المنطقة كُتب عليها أن تعيد إنتاج الألم جيلاً بعد جيل.
الآشوريون، كإحدى أقدم الشعوب في المنطقة، لم يفقدوا فقط الأرض، بل فقدوا أيضًا الإحساس بالأمان. حين اجتاحت موجات العنف مناطقهم، لم تكن تلك مجرد معارك عسكرية، بل كانت هزّات عميقة في بنية المجتمع، دفعت بالعائلات إلى الهجرة، وقطعت أوصال التاريخ. هذا النزيف البشري والثقافي لم يكن نتيجة حتمية، بل نتاج سياسات قصيرة النظر، وصراعات غذّتها مصالح ضيقة وأصوات غوغائية لا ترى في التنوع إلا تهديدًا.
في قلب هذه المعاناة، يبرز سؤال سياسي جوهري: من يحمي الأقليات حين تتفكك الدولة؟ حين يغيب القانون، تتحول الشعارات إلى رصاص، وتصبح الهويات هدفًا بدل أن تكون مصدر غنى. ما حدث للآشوريين يكشف هشاشة المنظومات السياسية التي فشلت في بناء عقد اجتماعي عادل، يضمن الحقوق ويصون الكرامة.
لكن، رغم كل ذلك، لم تختفِ الهوية الآشورية. بل على العكس، أعادت تشكيل نفسها في المنفى، وتمسكت بلغتها وثقافتها كفعل مقاومة هادئة. هذه القدرة على البقاء ليست مجرد عناد، بل رسالة بحد ذاتها: أن الشعوب لا تُمحى بسهولة، وأن العدالة المؤجلة تظل مطلبًا حيًا.
إن صدى أزيز الرصاص الذي دمر المنطقة لا يزال حاضرًا، لكنه ليس الصوت الوحيد. هناك أيضًا أصوات تطالب بالمحاسبة، وببناء مستقبل مختلف، قائم على التعددية والاعتراف المتبادل. التحدي اليوم ليس فقط في إيقاف العنف، بل في معالجة جذوره: من الإقصاء، إلى غياب التنمية، إلى استغلال الهويات في صراعات السلطة.
قضية الآشوريين ليست معزولة، بل هي مرآة تعكس أزمة أوسع في المنطقة. وإذا لم تُقرأ هذه المرآة بصدق، فإن التاريخ سيستمر في تكرار نفسه، لكن بثمنٍ أعلى. الحل لا يكمن في إسكات الرصاص فقط، بل في بناء نظام سياسي يرى في التنوع قوة، لا ذريعة للصراع.
٢٠٢٦/٤/٢٩