للذهاب الى صفحة الكاتب   

التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث والأسلمة

زكي رضا

الدنمارك

 

لقد عانى العراق كما بقية بلدان الشرق الأوسط من حكم أنظمة دكتاتورية، شوّهت البنى الأجتماعية والأقتصادية لبلدانها.  لكنّه يختلف عن غالبيتها كونه البلد الأكثر تورطا بحروب داخلية وخارجية طويلة  كما وأنّه حتى بداية القرن الحالي، كان البلد الوحيد الذي تعرض لأقسى حصار اقتصادي عرفه التاريخ الحديث. هذا الحصار دمّر البنى التحتية للبلاد، وتسبب في كوارث أنسانية كبيرة  منها وفاة مئات آلاف الأطفال نتيجة قلّة الأدوية وسوء التغذية، والتي أي سوء التغذية عانى منها القسم الأكبر من الشعب العراقي.

 

لقد بدأت الكوارث الحقيقية التي تسببت بمعاناة العراقيين لليوم بشكل جدّي، منذ إستلام البعث للسلطة في العام 1968. فقد دأب البعث على فرض قيادته على الدولة والمجتمع، من خلال تبعيث المجتمع العراقي وكل مرافق الدولة ومؤسساتها، إبتداءا بالقوّات المسلحة والعملية التعليمية. فمن الناحية العسكرية بدأ بتصفية الجيش العراقي من كل القادة الأكفاء الذين يشعر بخطرهم على نظامه، كما سنّ قوانين قاسية وصلت الى الاعدام بحق من يشتبه به في عضويته لتنظيم سياسي غير تنظيمه. وبدأ بتشكيل جيشه العقائدي، من خلال احتكار قبول الطلبة في الكليات والمعاهد العسكرية المختلفة بمنتسبي البعث فقط، سواء تلك المخصصة للجيش أو الشرطة. وبالتالي رأينا جيشا يساهم بقتل وقمع أبناء "شعبه"، بأساليب نابعة من أفكار وممارسات البعث الفاشية.

 

طبّق البعث نفس النهج الأحتكاري في مجال التعليم، فأبعد الكثير من الكفاءات التعليمية لرفضهم الأنظمام الى الحزب، وضيّق على من لم يستطع ابعاده لحاجته بداية حكمه لكوادر تعليمية لم تكن متوفرة عند البعثيين. وكما احتكر قبول الطلبة في الكليات والمعاهد العسكرية، احتكر قبول الطلبة في معاهد اعداد المعلمين والفنون الجميلة ، وكلية التربية الرياضية وهندسة النفط وغيرها الكثير، كما فرض سيطرته وهيمنته على البعثات الدراسية الى الخارج بأعضاءه فقط، دون الأخذ بنظر الاعتبار الكفاءة عند الطلبة المرشحين لتلك البعثات. لقد رسخ البعث مفهوم الولاء على الكفاءة في المدارس والجامعات من خلال تنظيم الاتحاد الوطني لطلبة العراق ، والذي كان جهاز تجسس حقيقي ساهم الى جانب تشويه المناهج التعليمية، في دمار العملية التربوية والتعليمية بالبلاد.

 

ثقافيا أحتكر النظام وقتها كل اجهزة الدولة الاعلامية والثقافية، من راديو وتلفزيون وصحافة ومؤسسات نشر. وقد لعبت كل هذه المؤسسات دورا كبيرا في ترسيخ ثقافة البعث الفاشية. وقد جرى التضييق على الصحافة غير البعثية، كالصحافة اليسارية الشيوعية والصحافة الكوردية أثناء ما سمّي وقتها بالجبهة الوطنية، ليتم ابعاد هذه الصحافة كليا عن حقل الصحافة العراقية بعد وصول صدام حسين للسلطة في العام 1979. وقد ساهمت وسائل الاعلام المختلفة في تمجيد الدكتاتور صدام حسين، من خلال نشر صوره يوميا في مختلف الصحف والمجلات العراقية، وإقامة التماثيل والجداريات له في كل مدينة وقرية عراقية. ونتيجة تشوه الفكر والثقافة، تحولت الأغاني والأناشيد ومنها المدرسية والعروض المسرحية الى مواد مبتذلة، زرعت ثقافة غير منتجة في بلد كان منتجا للوعي والثقافة قبل وصول البعث للسلطة.

 

كتهيئة لحروب النظام والتي استمرت حتى ساعة " انهياره" بإحتلال البلاد، شوّه النظام التركيبة الاجتماعية للشعب، من خلال العمالة الوافدة التي تكرّست بشكل كبير نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة وغالبيتها من الشباب في حروبه العبثية، لتتجاوز الملايين. وكنتيجة منطقية لحروبه واثر الحصار والقمع المنظم ، بدأت مظاهر التفسخ الاجتماعي تظهر بوضوح في مجتمع كان قبل وصول البعث للسلطة، واحدا من اكثر المجتمعات الشرق اوسطية تماسكا من الناحية الاخلاقية والروابط العائلية.

 

أنّ التشوّهات التي أشرنا اليها والتي لازلنا نعيشها، انتجت انسانا عراقيا مأزوما، فإن كان البعث عمل على تشكيل المجتمع قسريا وفق نظرة قومية شوفينية، فأن الاسلام السياسي اعاد تشكيل المجتمع بتعبئته طائفيا، وفرض عبادة رموزه الدينية. وهنا لا يكون تبديل الآيديولجيات، الا استمرارا في عملية التشويه. وإن كان البعث مشروع لصناعة مجتمع مفكك وخائف ، فأن الاسلام السياسي وليستمر في السلطة فأنّه رسّخ مشروع البعث نفسه، لذا نرى المجتمع العراقي اليوم لا زال يعاني من نفس امراض المجتمع عهد البعث، وأشد احيانا مقارنة بالواقع الاقتصادي للبلاد، وعدم وجود حصار اقتصادي او عقوبات دولية.

 

أن ما ورثه العراق من خراب في العهد البعثي بعد " أنهياره"، وبدلا من علاجه من حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي، تمّ تدويره بلغة جديدة. كما وأن سقوط الدولة البعثية إثر الاحتلال لم يفضي الى دولة مواطنة كان يتمناها شعبنا، بل انتقال من حكم الحزب العقائدي الواحد الى حكم احزاب تحتكر القومية والدين والطائفة والعشيرة. وأن كان الجيش عقائديا عهد البعث، فأّنه شبه غائب اليوم كون الميليشيات هي من تتحكم بالواقع العسكري، وهي طائفية حد النخاع. أما في مجال التعليم، فأن الاسلاميين دمرّوا التعليم بشكل ممنهج، ليس من خلال سوء الادارة وخصخصته فقط، بل من خلال تغييرهم للمناهج الدراسية بحسها الطائفي والديني. وأحتكروا ومعهم بقية قوى المحاصصة نتيجة ثرائهم على حساب المال العام، أجهزة الدعاية والاعلام والفضائيات في غسيل أدمغة العراقيين طائفيا وقوميا، ليستمروا بالسلطة، وكما البعث فأن سلطة اليوم تعمل على اقصاء القوى الوطنية العراقية عن المشهد السياسي بمختلف الاساليب " الشرعية" وغير الشرعية. وأن كانت حروب النظام " المنهار" وسياسة التبعيث قد ساهمت في تشويه البنى الاجتماعية للمجمتع العراقي، فأن الأحزاب الطائفية وسياسة الاسلمة والحرب الطائفية والخطاب الطائفي اليومي، ساهمت كما التبعيث في تدمير ما كان يجب أصلاحه من تشوهات، بل انتجت تشوهات جديدة في بنية المجتمع والدولة. لقد فرض البعث ومعه نظام المحاصصة اليوم هيمنتهما على مقاليد البلد، نتيجة الأقتصاد الريعي وعدم تنوع مصادر الدخل، ما ادى الى انهيار قطاعي الصناعة والزراعة، وما لهما من آثار سياسية تتعلق بدور النقابات العمالية وعدم فاعليتها، علاوة اشاعة البطالة وما لها من آثار على العلاقات الاجتماعية للفقراء والبسطاء من العمال والكادحين.

 

لقد انتقل شعبنا من طاعة القائد، الى طاعة الرمز . وأن تخلصنا من القمع باسم الوطن، فاننا سقطنا في فخ القمع باسم المقدس، وأن تخلصنا من عسكرة المجتمع، فاننا سقطنا في مذهبة المجتمع ان جاز التعبير. لذا وبكلمة اخرى، فاننا لم ننتقل من الاستبداد للحرية، بل انتقلنا من استبداد آيديولوجي الى استبداد مكوّناتي. والنتيجة ليست دولة فاشلة فقط، بل انسان مشوه، يقدّس المكوّن والعشيرة الذي ينتمي اليهما لغياب الدولة التي  يجب ان تحميه.

 

أن مشكلتنا اليوم لا تنحصر في تغيير النظام " الاصلاح مزحة ثقيلة"، بل في كيفية أعادة بناء الانسان أجتماعيا. وهذا يحتاج الى نظام وطني ديموقراطي علماني، لا نظام محاصصة طائفي قومي منتج للازمات.

 

زكي رضا

الدنمارك

1 /5 /2026