
من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
رانية مرجية
ثمة طرقٌ لا تُقاس بالمسافة، بل بما توقظه في الداخل من ذاكرة.
ومن الرملة إلى رام الله، بدا الطريق مساءَ ذلك اليوم كأنه عبورٌ داخل الذات أكثر منه انتقالًا بين مدينتين؛ عبورٌ بين ما تبقى من البلاد في الروح، وما تبقى من الروح في البلاد.
كنتُ أحمل معي ذلك الشعور الفلسطيني القديم: أن الأمكنة، مهما اقتربت، تظل بعيدة بما يكفي لتوقظ الحنين، وبما يكفي أيضًا لتذكّرنا بأن الوطن لم يعد جغرافيا خالصة، بل حالة شعورية معقدة من التعلق والفقدان معًا.
في فندق الكرمل، كان لقائي بالدكتور عبد الرحيم جاموس أشبه بلقاءٍ مؤجل مع جزءٍ من الوعي الفلسطيني الذي أنهكته المنافي دون أن يفقد قدرته على التأمل. لم يكن الحديث بيننا مجرد تبادلٍ للأفكار حول الأدب والسياسة، بل بدا كأننا نحاول، عبر الكلمات، أن نفهم هذا الخراب الكبير الذي مرّ على أرواحنا جميعًا، وأن ننقذ شيئًا من المعنى قبل أن تبتلعه الضوضاء.
كان يتحدث بهدوء الذين عبروا مسافات طويلة مع الحياة، لا باندفاع الخطباء. وفي صوته شيءٌ من تعب الفلسطيني الذي تعلّم أن يحمل وطنه داخله، بعدما صار حمله على الأرض أكثر تعقيدًا من الحلم نفسه.
تحدثنا عن الأدب، لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل باعتباره المحاولة الأخيرة لإنقاذ الإنسان من قسوته الداخلية. وعن الكتابة التي كثيرًا ما تبدأ من الجرح، لكنها لا تكتمل إلا حين تتحول إلى معرفةٍ أعمق بالإنسان وهشاشته ووحدته. وتحدثنا عن السياسة، تلك الآلة الثقيلة التي لا تكتفي بتغيير مصائر الناس، بل تغيّر لغتهم أيضًا، وتجعل الكلمات أحيانًا عاجزة عن حمل ما يحدث حقًا.
وفي لحظةٍ بدت شديدة الصفاء، قمنا بالاتصال بصديقنا الكاتب والناقد العراقي الدكتور عادل جودة. كان حضوره عبر الصوت فقط، لكن صوته حمل دفءَ المسافات العربية القديمة؛ ذلك الإحساس النادر بأن الثقافة ما تزال قادرة، رغم الحدود والتشظي، على أن تجمع الأرواح حول معنى واحد. بدا الحديث معه امتدادًا طبيعيًا لذلك المساء؛ حديثًا عن الأدب بوصفه بيتًا أخيرًا لمن أرهقتهم الأزمنة، وعن الكلمة التي تبقى، حتى حين يتداعى كل شيء حولها.
وفي لحظة هادئة، أهديتُ الدكتور عبد الرحيم جاموس نسخًا من كتبي. بدا المشهد بسيطًا من الخارج، لكنه في داخلي كان أكثر من ذلك بكثير. شعرتُ أن الكتب ليست أوراقًا مطبوعة، بل أعمار صغيرة نضعها بين أيدي الآخرين، بكل ما فيها من قلقٍ وأملٍ ومحاولات لفهم العالم. وربما لهذا يصبح إهداء كتاب فعلًا إنسانيًا عميقًا؛ كأن الكاتب يسلّم جزءًا خفيًا من روحه لمن يثق بأنه سيقرأه بما يليق بالمعنى لا بالمجاملة.
وحين انتهى اللقاء، لم أشعر أنني أغادر مكانًا، بل كأنني أخرج من مساحة نادرة من الصفاء الإنساني. بعض اللقاءات لا تترك ضجيجًا في الذاكرة، بل تترك أثرًا صامتًا يبقى طويلًا، كجملةٍ جميلة قرأناها ذات يوم ولم تغادرنا.
عدتُ إلى الرملة وأنا أشعر أن ما ينقذ الإنسان في النهاية ليس اليقين الكامل، بل هذه اللحظات القليلة التي يجد فيها روحًا تشبهه، وحديثًا لا يحتاج إلى أقنعة، وكلماتٍ تستطيع أن تجعل هذا العالم أقل قسوة.
