
"رواتب الموظفين على صفيح ساخن"
ستة حلول لازمة السيولة النقدية في العراق
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
تجلس الأيام كحجر ثقيل على صدور تتنفس بالصبر العاري، فحين تتأخر رواتب الموظفين في العراق، لا تصبح الأزمة مجرد أرقام في موازنة دولة تعثرت، بل تتحول إلى أرواح تتهشم على صخرة العيش اليومي. هكذا كان الحاج أبو علي يحدثني، ووجع السنين يرتسم تجاعيد على وجهه المنهك، يقول لي بصوت يخالطه الانكسار: «منذ الأمس والمؤجر يقف على باب داري يطالب بالإيجار، لا يعنيه إن تعثرت مشاكل الحكومة، ولا تقلق راحته طوابير المنتظرين، يخيرني بين الدفع أو الطرد، وكأن لا مكان لمن لا يملك ثمن سقفه.
ولم تكن حكاية أبي علي سوى نافذة صغيرة على مدينة تحترق بصمت؛ فقبل أن أنفض غبار كلامه، شاهدت الشاب رأفت، ذلك الشاب الذي أنهكته خيبات الأيام، يصرخ وسط الشارع: «الله أكبر.. الله أكبر»، يكررها بوجع غاضب يمزق سكون الزقاق. اقتربت منه مهدئاً وقلت: «أهلاً أخي، ما بالك؟»، فالتفت إلي بعينين تتقد غضباً وقهرًا، وقال: «أبو المولد قطع الكهرباء عن بيتي، يطالب بأجور الاشتراك، وأنا إلى اليوم لم استلم راتبي! يقولها بلا مبالاة: هات الأجور أو يبقى الظلام رفيق أطفالك!.
هكذا تتشابه الحكايات وتتوحد المآسي تحت سماء أزمة سيولة نقدية تتكرر كقدر محتوم، تضغط بقسوة على المعيشة اليومية للمواطنين، وتبتلع فرحة البسطاء، وتترك الأسواق راكدة والأنفاس محبوسة. ليست الأزمة نقصاً في أوراق النقد فحسب، بل هي تآكل تدريجي لكرامة الإنسان البسيط الذي بات يحارب على جبهتين: جبهة لقمة العيش، وجبهة الحفاظ على ما تبقى من إنسانيته وسط عالم لا يرحم المتعثرين.
نحول هنا.. في هذا المقال نطرح ستة حلول اقتصادية للحكومة, كي تخرج من الازمة وتعطي الرواتب للموظفين بتوقيتاتها من دون تأخير.
• اولا: تفعيل الدفع الالكتروني
يُمثّل تفعيل وتوسيع نطاق الدفع الإلكترونيوالتحصيل الرقمي أحد أهم الحلول الإسعافية والاستراتيجية لإنهاء شح السيولة النقدية وإعادة ضخ الأموال في شرايين الاقتصاد العراقي.
تعتمد آلية الحل على قرار حكومي حاسم يقضي بإلزام كافة مؤسسات الدولة، والقطاعات التجارية، والأسواق، ومحطات الوقود باعتماد أجهزة الدفع الإلكتروني ونقاط البيعبشكل صارم وفعلي، بحيث يصبح التعامل المالي مرقماً ومنظماً في كل المعاملات اليومية، مما يقلل الاعتماد على النقد اليدوي ويجعل التكنولوجيا المالية هي المعيار الأساسي في السوق.
وتكمن فوائد هذا الحل في سرعة تأثيره المباشر على إعادة تدوير الأموال داخل القطاع المصرفي.
فبدلاً من بقاء الكتلة النقدية الضخمة مجمدة ومكتنزة كـ "كاش" في المنازل وبعيدة عن الرقابة والمصارف بسبب ضعف الثقة أو غياب الوسائل البديلة، فإن الدفع الإلكتروني يجبر هذه الأموال على العودة الفورية واليومية إلى المنظومة المصرفية مع كل عملية شراء أو دفع رسوم. هذا التدفق المستمر والمتجدد يومياً يمنح المصارف الحكومية والخاصة سيولة نقدية كافية ووفيرة، تُمكّنها بسهولة من تلبية التزاماتها وتغطية رواتب الموظفين في مواعيدها المحددة دون أزمة أو تأخير.
• ثانيا: هيكلة وتنظيم الإيرادات غير النفطية
يُعدّ إعادة هيكلة وتنظيم الإيرادات غير النفطية (الجمارك والضرائب)ركيزة أساسية ومستدامة لتحرير الاقتصاد العراقي من التبعية المطلقة للنفط، وتوفير تدفقات مالية منتظمة تسهم بفعالية في معالجة أزمات السيولة المتكررة.
تستند آلية الحل إلى خطوة جذرية تتمثل في ربط كافة المنافذ الحدودية، والمطارات، والدوائر الضريبية بنظام رقمي متطور وموحد يلغي التدخل البشري والروتين المعقد. يعتمد هذا النظام على المراقبة والتحصيل الإلكتروني الدقيق للرسوم الجمركية والضرائب، مما يغلق منافذ التلاعب، والتهرب الضريبي، وهدر الأموال، ويضمن تحويل الإيرادات اليومية المباشرة بصورة فورية وآمنة إلى الخزينة العامة للدولة.
وتكمن فوائد هذا الحل في قدرته العالية على خلق موارد مالية فورية ومستقلة تعمل كرافد حقيقي ومستقر بمعزل عن تقلبات أسعار النفط العالمية في الأسواق الدولية. هذا التدفق النقدي المنتظم يقلل بشكل كبير وفعلي من الاعتماد الكلي على بيع النفط الخام لتمويل النفقات التشغيلية الحساسة للدولة، وفي مقدمتها رواتب الموظفين، مما يمنح الحكومة مرونة مالية عالية ومصدراً ثابتاً يقي الموازنة العامة من صدمات شح السيولة.
• ثالثا: ترشيد وتخفيض النفقات الحكومية غير الضرورية
يُعدّ ترشيد وتخفيض النفقات الحكومية غير الضرورية خطوة إصلاحية جريئة ومصيرية للتعامل الفوري مع أزمات شح السيولة الحادة، حيث تمثل الموازنة التشغيلية للدولة حجماً ضخماً من الإنفاق الذي يمكن إعادة توجيهه نحو الأولويات الملحة.
تستند آلية الحل إلى إجراءات إدارية ومالية صارمة ومؤقتة، تتضمن الوقف الفوري لكافة أوجه الصرف غير الضروري مثل تنظيم المؤتمرات والندوات الباهظة، والسفرات الرسمية الخارجية غير الملحة، وشراء التجهيزات والسيارات والمستلزمات الكمالية للوزارات. كما تشمل ضبط النفقات الثقيلة والمبالغ فيها داخل الوزارات والجهات غير الخدمية التي لا تمس بشكل مباشر حياة المواطن المعيشية اليومية.
وتكمن فوائد هذا الحل في قدرته السريعة على توفير كتل نقدية ضخمة من قلب الموازنة التشغيلية الحالية بدلاً من تركها تهدر في مظاهر غير منتجة. يتيح هذا الوفر المالي إمكانية إعادة توجيه الأموال حصراً كأولوية قصوى ودنيا لا تقبل التأجيل نحو تأمين بند رواتب الموظفين والمتقاعدين، مما يحمي المعيشة اليومية للآلاف من العوائل ويمنع تفاقم الأزمات المعيشية الناتجة عن تأخير الرواتب.
• رابعا: تسريع تحصيل ديون الدولة والمصارف
يُمثّل تسريع تحصيل ديون الدولة والمصارف (القروض والسلف)مساراً استثنائياً وفعالاً لاستعادة الأموال العامة المجمدة, وحل أزمات السيولة الخانقة دون اللجوء إلى خيارات مالية معقدة أو مكلفة.
تعتمد آلية الحل على إطلاق حملة حكومية وقضائية حازمة وعاجلة تستهدف استرداد القروض الضخمة التي مُحتفظ بها لدى شركات وشخصيات متنفذة ولم تسدد في مواقيتها القانونية، إلى جانب تكثيف الجهود لاستيفاء الديون والالتزامات المالية المترتبة على مختلف الجهات الحكومية وغير الحكومية لصالح المصارف العراقية. يعتمد هذا الإجراء على فرض القانون بقوة وتفعيل الآليات القانونية والمصرفية لضمان إعادة هذه الأموال إلى أصحابها الشرعيين.
وتكمن فوائد هذا الحل في قدرته على ضخ سيولة مالية سريعة وكبيرة وبشكل مباشر في شرايين الجهاز المصرفي. هذه الأموال المستردة ترفع وبشكل ملحوظ من قدرة المصارف المالية على تلبية التزاماتها وتوفير التمويل اللازم لصرف رواتب الموظفين في مواعيدها المحددة، من دون الحاجة إلى الاعتماد على الاقتراض الداخلي المكلف الذي يثقل كاهل الموازنة العامة بفوائد مالية إضافية.
• خامسا: تنشيط سوق السندات الحكومية
يُعدّ تنشيط سوق السندات الحكومية المحلية (أذون الخزانة)أداة مالية واقتصادية فاعلة لجذب السيولة النقدية الكامنة خارج النظام المصرفي، واستثمارها في سد الفجوات التمويلية المؤقتة للدولة.
تستند آلية الحل إلى إصدار سندات حكومية ذات عوائد وفوائد مجزية ومقبولة، وتوجيهها مباشرة للمواطنين والمستثمرين المحليين عبر شبكة المصارف العراقية المعتمدة، لتبسيط عمليات الاكتتاب وجعلها في متناول الجميع.
وتكمن فوائد هذا الحل في قدرته على سحب الأموال المكتنزة خارج المصارف وإعادتها لدورة الاقتصاد الوطني، لتوظيفها في تمويل العجز المؤقت المخصص لتأمين الرواتب، فضلاً عن منح فوائد مالية للمكتتبين تحفزهم على الادخار الاستثماري الآمن.
• سادسا: التنسيق السريع مع البنك المركزي العراقي
يُعدّ التنسيق السريع مع البنك المركزي العراقي لإدارة الاحتياطيات النقدية المؤقتة خط دفاع أخيراً وإسعافياً بالغ الأهمية للتدخل السريع عند بلوغ أزمات السيولة مراحلها الحرجة التي تهدد الاستقرار المعيشي للموظفين.
تستند آلية الحل إلى تفعيل شراكة وتنسيق وثيق وعاجل بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقي، بهدف ابتكار وإيجاد آليات تمويل قصيرة الأجل -مثل التمويلات السريعة أو السلف المؤقتة المدعومة بضمانات حكومية آمنة وموثوقة- تُستخدم خصيصاً لإدارة الاختناقات النقدية الطارئة وسد الفجوات ريثما تبدأ عائدات بيع النفط الشهرية بالتدفق والدخول الفعلي إلى خزينة الدولة.
وتكمن فوائد هذا الحل في كونه علاجاً إسعافياً وسريعاً للغاية يمتلك القدرة الفورية على امتصاص الصدمات المالية ومنع حدوث أي تأخير مفاجئ أو إرباك في مواعيد إطلاق جداول توزيع الرواتب، مما يضمن استمرار تدفق الأجور في موعدها المحدد ويديم الاستقرار الاجتماعي والنفسي للموظفين وعوائلهم.
• ختاما:
في نهاية المطاف، لا تُقاس عافية الأمم بحجم أرقامها في الموازنات ولا بوفرة النفط في باطن الأرض، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنها وحفظ سقفه آمناً من رياح العوز.
إن أزمة السيولة وتأخر الرواتب في العراق ليست قدراً محتوماً، بل هي امتحان حقيقي لجدية الإرادة الإصلاحية وقدرة المؤسسات على تحويل الخطط إلى أفعال ناجزة.
وحين تتقاطع الحلول الرقمية، وهيكلة الإيرادات، وترشيد الإنفاق، واسترداد الحقوق مع وعي وطني واقتصادي سليم، فإنها لا تنقذ الأرقام من التعثر فحسب، بل تعيد للشارع العراقي طمأنينته، وتنزع الخوف من صدور أناس يحلمون بأبسط حقوقهم: لقمة عيش هانئة، وكرامة مصانة لا تهزها تقلبات الأيام.
