للذهاب الى صفحة الكاتب   

فلوس عبد الزهرة

زكي رضا

الدنمارك

 

كانت الركلات تنهال على جمع كبير من البشر الذين كانوا لكثرتهم ووقوفهم في الصحراء، كأنهم في يوم الحشر. لولا عيونهم المعصوبة، والكلمات البذيئة والسباب الصادرة من جنود الحرس الجمهوري. هذا الجمع تم إعتقاله بعد أن دكّت الدبابات والصواريخ مدينتي النجف وكربلاء وباقي مدن الجنوب، ولم تسلم من دنس القوات الحكومية مئذنة مرقد الأمام علي بن أبي طالب التي وشمتها الإطلاقات النارية، بعد أن دنّست بساطيل الحرس الجمهوري مرقده، وكذلك كان الحال في ضريحي ولديه الحسين والعباس في كربلاء.

 

في تلك الصحراء وقف مجرم يعطي أوامره واجبة التنفيذ، بقتل جميع المعتقلين ودفنهم في مقابر جماعية، كانت "شفلات" الحكومة قد هيأتها، أي المقابر قبل تنفيذ الأحكام. وما أن أنتهت حفلة الموت وغادرت الذئاب البشرية مسرح الجريمة، الى مسرح آخر لإتمام باقي فصول المجزرة، حتى كان هناك صبيا تخلص بمعجزة من الموت، يتسلل بحلول الظلام الى الصحراء دون وجهة محددة.

 

عاد الصبي وهو يرتجف في العراء في تلك الليلة وهو يسير على غير هدى حيث برد آذار "يخش بالعظم"، يفكر بتلك الأيام الكبيرة التي أجتاحت مدينته، وخاض فيها شبابها المعارك ضد القوى الأمنية، التي أستسلمت للثوار بعد معارك لم تدم طويلا، تلك القوى التي أذلّت الناس لعقود، وأستهترت بحياة شعب كامل ووطنه. وقف يستعيد منظر شبيبة مسلحة تهتف ضد نظام القهر "يا صدام شيل ايدك، شعب النجف ما يريدك" و "ماكو ولي إلا علي، نريد حاكم جعفري". وعادت به الذاكرة لمشهد أخيه مضرجا بدمائه وهو يهاجم مقر للحزب الفاشي، والى معمم يقود تلك الجموع صارخا عبر مكبرات صوت احدى المآذن "اليوم تحرر عبد الزهرة ومن اليوم عبد الزهره سيد نفسه وراح يعيش احسن عيشه"، ولكي تكون الجماهير اكثر انصياعا دغدغ مشاعرها بشعار "ماكو ولي إلا علي، نريد حاكم جعفري"، وليختم دعوته للجماهير التي كانت تلاحق فلول النظام في كل شارع وزقاق وبيت قائلا: غدا سيحكم عبد الزهرة، بعد أن عاش حياته بذل غدا ستبنى لعبد الزهرة المدارس والمستشفيات والمعامل في مدن الجنوب الفقيرة!

 

لم يدم مسير الصبي طويلا، حتى لاحت أضواء بعيدة، فخفّ نحوها وإذا بشارع وسيارة قادمة من بعيد فنزل عند ساتر ترابي يفكر، ماذا لو كانت السيارة التي إن توقفت تابعة للجيش أو لقوة أمنية، ولم يطل به التفكير لتعبه وجوعه، أن خرج إلى الشارع ملوحا لها. فخففت السيارة من سرعتها ووقفت بعيدة عنه قليلا، ليتأكد سائقها وهو الخائف أيضا من هوية الرجل، فإذا به يرى صبيا متعبا أشعث الشعر تبدو على ملامحه علامات الخوف والارهاق الشديد. أوصل السائق الصبي الى أقرب موقف للسيارات في أول مدينة صادفتهم، وودعه بعد منحه بعض النقود ليعود بها الى مدينته.

 

عاد الى مدينته، فإذا بها مقبرة لا تفرق بشيء عن مقبرة وادي السلام الا بكون موتاها يتنفسون. وفي طريقه الى بيته كان يرى الناس والصمت ظلّهم، والخوف يقفز من عيونهم كعصافير أرعبها الصيادون، والجلادين الذين عادوا بعد أن فرّوا منها كالجرذان المذعورة، اكثر بطشا وحقدا. كل شيء في مدينته التي كانت تعج بالحياة ميت، حتى المآذن كانت خرساء، وضريح الامام علي كان موحشا بعد أن هجره زواره.

 

لم تصدّق عائلته عودته، فأستقبلته بفرح مشوب بالحذر والخوف. ففي تلك الايام كانت حتى الجدران مرعوبة من وشاية لا تعرف مصدرها. لم يتحدث الصبي كثيرا عن الاهوال التي عاشها، بل كان دائم الصمت منطويا على نفسه، يشعر وكأن الموت قاب قوسين أو ادنى منه إن جاءهم ضيف ما ، أو سمع طرقا على باب البيت.

 

مرّت الأيام ببطء شديد، وبدت الحركة في المدينة التي فقدت زوارها قليلة. فالحصار الذي فرضته امريكا على العراق، فرضه النظام على الشعب الذي أحتضن الفقر والمرض والجوع والبطالة، لينال الصبي وغيره من الاولاد حصتهم من أثر الحصار، بتركهم مقاعد الدراسة والبحث عن عمل يساعدون به عوائلهم الفقيرة والمعدمة.

 

مرت الأيام والشهور والسنوات ثقيلة على الصبي والمدينة والبلاد، التي كان الخوف والموت يسيران جنبا الى جنب في كل نقطة منها، والصبي الذي أصبح شابا منكسرا نتيجة الفقر والذل، بات ينتظر أن تنتفض مدينته والبلاد بوجه الجلادين، ويمنّي النفس بقرب ذلك اليوم. وفي ذات فجر أستيقظ على أزيز الطائرات والحوامات في سماء المدينة، فانتابته موجة من الخوف وهو يتذكر تلك الأيام القاسية، فإذا بالمآذن تؤذن بأنهيار نظام القرية، وقيام سلطة جديدة تقودها امريكا في بغداد. فخرج والمدينة عن بكرة أبيها فرحين بنهاية طاغية، وفرحين أكثر، ومعمم يهتف بالناصرية ليصل هتافه الى مدينته وكل الجنوب "ماكو ولي الا علي وانريد حاكم جعفري".

 

الميليشيات التي قاتلت النظام أثناء حربه مع إيران عادت بأسلحتها الى البلاد، والعمائم والأحزاب التي رفعت شعار "ماكو ولي الا على ونريد حاكم جعفري"، هيمنت على السلطة من خلال نظام المحاصصة الطائفية القومية، وسارعت بكتابة دستور على مقاساتها. وعاد العراق بشكل تدريجي الى دورة اقتصادية كانت قد تلكأت بعد الحرب العراقية الايرانية، وللتوقف تقريبا بعد احتلال الكويت واعلان الحصار على العراق بموجب قرارات الامم المتحدة.

 

وصلت ميزانيات البلاد لاول مرة في عهد من كانت تهتف الجماهير خلفه "علي وياك علي"، الى اكثر من مئة مليار دولار، وحينها وقف الصبي الذي أطلق على نفسه أسم عبد الزهرة حالما بأنعتاقه من الفقر والمرض، في مقدمة الجماهير حاملا سلاحا دفاعا عن ذلك السيد والشيخ والسياسي، الذي سيعيد لعبد الزهرة كرامته ليعيش كما قال ذلك المعمم يوما "نخلي عبد الزهرة يعيش أحسن عيشه ويلعب بالفلوس لعب" .

 

اليوم يقف ذلك الصبي، ليستعيد شريط أفكاره، مفتشّا عمّن يفسر أحلامه التي ضاعت على ما يبدو، وهو يرى مدن عبد الزهرة لا زالت خرائب، وعبد الزهرة لا زال أميا ومريضا، ولا زال عبد الزهرة عاطلا ويبحث من جوعه في مكبات النفايات "وكاتله الحر". ليستيقظ على فساد سلطة "علي وياك علي"، ويرى الساسة والعمائم التي قدسّها تعيش خلف جدران محمية وتتنقل بسيارات مصفحة مظللة مستهزئة بعبد الزهرة وأبناء عبد الزهرة. وكانت صدمته لا تحتمل وهو يرى أموال عبد الزهرة مدفونة تحت الارض وفي جدران البيوت الفخمة، وفي علب الزيت والطرشي "المخلل"، وفي النهاية التي مات فيها كانت صرخته  وهو يقرأ خبر الحكم على سيد جدّه رسول الله، رئيس الوقف الشيعي، الذي سرق اكثر من مئتي مليار دينار وعشرات العقارات التابعة للدولة ، بسنة واحدة مع وقف التنفيذ! بعد أن قارن الحكم الصادر بحق السيد أبن رسول الله،  بمحاكمة طفل من السماوة سرق 4 علب مناديل ورقية،  ليحكم عليه بسنة واحدة مع الشغل والنفاذ كما يقول اخوتنا المصريون، أقول كانت صرخته وهو يموت كمدا "چا وين فلوسك عبد الزهرة"؟

 

زكي رضا

الدنمارك

17 /8 /2026