
ترامب يستفيد من تجربة نوري المالكي للفوز بالأنتخابات
زكي رضا
الدنمارك
11 /9 /2026
الكذب مرض، فهل هو مرض معدي كما العديد من الامراض المعروفة، أم أنه وحينما تكون الكذبة في مجال السياسة، سيكون معدي لينتقل من نظام الى آخر أو من مسؤول الى آخر في مواسم الأنتخابات للبقاء في السلطة؟ والكذبة تكون أشد وقعا إن جائت من مؤمن. والرشوة هل هي الأخرى من الامراض المعدية في كل المجالات؟ والأثنان كما هو متعارف عليه منافيين للأخلاق ومحرّمين دينيا، خصوصا عندما تأتي من أشخاص يطرحون أنفسهم بوصفهم مؤمنين وحريصين على تطبيق تعاليم الدين.
في العراق اعتاد المالكي والإسلاميون قبل كل انتخابات، أن يعدوا الناخبين بالمن والسلوى وبجنات تجري من تحتها الأنهار. فتراه وأياهم يكذبون ويرشون، فتارة تكون الرشوة والكذب وعود بقطع أراضٍ يظهر بعد إغلاق صناديق الاقتراع، من أنه مجرد أوراق لا قيمة لها. وتارة بفتح باب التوظيف للعاطلين عن العمل أو بوعود للعمال والموظفين العاملين في القطاع العام بأن الدولة ستقوم بتحويلهم إلى الملاك الدائم ولن يتحقق منها شيئا هي الاخرى، أو بوعود عن فتح الطرق وبناء المدارس والمستشفيات في المدن المحرومة. أو في منح الفقراء والمعوزين رواتب الرعاية الاجتماعية. لكن ما إن ينتهي التصويت وحتى قبل أن يبدأ العد والفرز نرى هذه الوعود قد تبخرت.
علينا توخي الدقة ونحن نوجه الاتهام للمالكي والإسلام الشيعي بالفساد ورشوة الناخبين وحدهم. فالساسة السنة والزعماء الكرد لا يختلفون عنهم في ممارسة الفساد والكذب واستغلال حاجة الناخبين، فالكذب والفساد في عراق اليوم أساس ما تسمى بالعملية السياسية. وفساد هذه القوى وهي تحيل العراق إلى أكثر دول العالم فسادا يكمل بعضه البعض، لكننا أخذنا المالكي كمثال كونه أحد أبرز من ساهم في ترسيخ الفساد في البلاد خلال دورتي رئاسته للوزراء.
الكذب في الاسلام محرم بنص قرآني، فقد جاء في سورة النحل "﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، اما في سورة الشعراء فأن القرآن وعد الكذابون بشياطين تنزل عليهم حين قال : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. اما في باب الرشوة، فالقرآن صريح حينما قال فيي سورة البقرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، كما جاء في التراث الشيعي ونقلا عن الأمام جعفر الصادق انه قال : الرشا في الحكم هو الكفر بالله". فكيف يمكن لمن يرفع شعار الإسلام ويطلب من الناس الالتزام بالدين أن يمارس مثل هذا السلوك؟ هذذا عن الاسلام الذي يدعي المالكي ورجالات الاحزاب الاسلامية من انهم مؤمنين به ويدعون الناس اليه.
أما في المسيحية حيث يطرح دونالد ترامب نفسه بوصفه مسيحي مؤمن وهو يلتقي القساوسة في المكتب البيضاوي، فالأمر لا يختلف كثير عن الإسلام. فقد ورد في سفر الخروج: "ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمي المبصرين وتعوج كلام الأبرار"، وجاء في سفر التثنية ""لاَ تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى الْوُجُوهِ، وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أَعْيُنَ الْحُكَمَاءِ وَتُعَوْجُ كَلاَمَ الصِّدِّيقِينَ". ويوصف الكتاب المقدس إبليس على انه " الكذاب وأبو الكذاب". هذا ايضا عن المسيحية التي يدعي ترامب الايمان بها!
وكما للسّياسة منطق آخر عند المالكي والاحزاب الشيعيىة وهم يطرحون انفسهم كمؤمنين تقاة وذوي اياد متوضئة، فلترامب وهو يطرح نفسه كمسيحي مؤمن منطق آخر ايضا، وهذا ما جعل ترامب وحزبه ينافس المالكي وحزبه وباقي ساسة العراق في في الكذب والرشوة، بعد أن أصيب بنفـس عدوى المالكي وساسة العراق الاخرين.
لقد أعلن ترامب، في التاسع من سبتمبر/أيلول 2026، أنه سيمنح كل مواطن أمريكي بالغ خمسة آلاف دولار إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، قائلا: إذا فاز الجمهوريون، تفوزون معنا وتحصلون على 5,000 دولار، فيما قال نائبه جيه دي فانس " ان الرسوم الجمركية قد تكون مصدر تمويل للوعود التي قطعها الرئيس على نفسه". ماذا نسمي وعد ترامب هذا؟ شخصيا اسميه رشوة انتخابية، وبغض النظر عن مواد القانون الامريكي وتأويل كلام ترامب ومحاولة صياغته بشكل يخفف من شدة تصريحه او وضوحه، الا ان وعده بمنح الناخبين ان صوتوا لحزبه يبقى خلل سياسي واخلاقي.
ترامب تفوق على أستاذه المالكي، في انه اختصر الطريق، فلا قطع اراضي، ولا بناء مدارس ومستشفيات، ولا شق طرق في مناطق الشيعة الفقيرة والمهملة، بل بخمسة آلاف دولار نقدا وعدا لكن ليست كرشوة. فقد أُطلق على وعد ترامب هذا أسم " توزيعات» أو Trump Dividend!! ، فهل يغير الاسم شيء من الموضوع؟
يبدو أن المرض ليس الكذب وحده ولا الرشوة وحدها، وإنما ذلك المرض السياسي الذي يجعل السياسي يتذكر المواطن قبل الانتخابات وينساه عند غلق المراكز الانتخابية، وبعدها فلك الله عزيزي الناخب.
كم يبدو أن هتاف ما ننطيها المالكية، ترجمها ترامب نصا ليقول: We will not give it up، أي ما ننطيها، ولله في خلقه المالكي وترامب شؤون.
زكي رضا
الدنمارك
11/9/2026
