
انهاء الوجود العسكري، قد... انهاء الوجود الأمني، لا
زكي رضا
الدنمارك
برنامج حكومة السيد الزيدي فيه الكثير من القضايا التي تهم حياة الناس اليومية، من خدمات وأمن وبنى تحتية، لكنه ارتكز على نقطتين رئيسيتين أراهما مفتاح لبناء البلد واستقراره هما محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
واليوم وبعد ما يقارب الأربعة أشهر على تسلّمه منصبه، نرى بداية وإن كانت خجولة في محاربة الفساد. فقد بدأت حملته باعتقال نواب ومديرين عامين وموظفين كبار، ومصادرة قطرة من بحر ما نهبته قوى الفساد خلال ثلاثة وعشرون عاما. ومع ذلك، فاننا نرفع له القبعة عاليا كونه أول رئيس وزراء يخطو هذه الخطوة، التي نتمنى الا تستمر فحسب، بل أن تصل إلى حيتان الفساد الذين يعرفهم السيد الزيدي والشارع العراقي جيدا، من خلال تطبيق قانون "من أين لك هذا؟".
أما الشق العسكري والأمني، فلنا فيه آراء أخرى. فحكومة السيد الزيدي تبدو في طريقها إلى تنفيذ وعودها بشأن تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على الأراضي العراقية. فالعراق ووفق تفاهمات مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، سينهي وجود القوات العسكرية الأجنبية على أراضيه، ويحتكر سماءه في الأول من تشرين أول /اكتوبر المقبل. وستتسلم القوات العراقية في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الجاري، المقر الرئيسي للقوات الأمريكية في مطار بغداد الدولي، وهناك اتفاق آخر مع تركيا بشأن انسحاب قواتها من معسكر بعشيقة في محافظة نينوى.
ويبدو أن الحكومة العراقية ماضية بالفعل في تعزيز قدراتها العسكرية، إذ صرّح قائد القوة الجوية العراقي، الفريق الطيار خالد التميمي "بأن طائرات مسيّرة عراقية حلّت محل طائرات التحالف في مهام الاستطلاع، وأن لدى العراق مسحا جويا شاملا يوميا لجميع أراضيه، مشيرا إلى أن القوة الجوية نفذت 58 ألفًا و822 واجبا خلال حرب العصابات ضد داعش"، كما أكد من أن " خطر الارهاب محدود جدا حاليا، بفضل يقظة المواطنين والقدرات الأمنية والجوية". أما الناطق الرسمي باسم خلية الإعلام الأمني في العراق الفريق سعد معن، فقال "إن الحكومة باتت صاحبة الكلمة العليا والقرار الخالص في تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على أراضي البلاد". وهنا تحديدا يبدأ السؤال. هل الحكومة العراقية هي فعلا صاحبة الكلمة العليا والقرار الكامل في تحديد طبيعة جميع أشكال الوجود العسكري والأمني في البلاد؟
هذا السؤال ليس سؤالا عابرا يمكن تجاوزه من خلال تصريحات الحكومة والقادة العسكريين، بل هو سؤال غاية في الأهمية ويحتاج إلى جواب واضح ودقيق. لأن مثل هذه التصريحات يجب أن تكون صادقة ونابعة من الحرص على الأمن المجتمعي واستقرار البلاد، ومن وطنية عالية تجعل مصلحة العراق أولا، وتبعده عن الصراعات الإقليمية التي لا ناقة لشعبنا فيها ولا جمل. وهو في الوقت نفسه جزء من البرنامج الحكومي الذي وعد به رئيس الوزراء.
ولو اعتبرنا نجاح الحكومة في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي انجازا، وهو بالفعل إنجازا إذا تحقق بصورة كاملة، ولو افترضنا أن الميليشيات ستسلّم سلاحها للدولة بعد انتفاء الحاجة إليه نتيجة الانسحاب العسكري الأجنبي، وهو أي الانسحاب مطلب للميليشيات ومطلب وطني وشعبي في الوقت نفسه، ولو أخذنا بعين الاعتبار استمرار انحسار الإرهاب وفق ما تؤكده الحكومة، فإننا سنقف أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: أين تقف مصداقية سيطرة الدولة على الملف الأمني وثيق الارتباط مع الملف العسكري، إذا كان مطلب حصر السلاح بيد الدولة قد تم تأجيله إلى العام القادم؟
وهنا لا يتعلق الأمر بالسلاح وحده، بل بطبيعة القرار الأمني نفسه. فإذا اعتبرنا سلاح الميليشيات، عندما يُستخدم في صراعات إقليمية، أو للدفاع عن قوة إقليمية في صراعها مع الولايات المتحدة، أو من خلال مهاجمة أو تهديد دول في المنطقة، أمر لا يدخل في إطار التدخل العسكري في شؤون بلدنا إن صدر من جهة محددة ، فإننا سنصل إلى سؤال أكبر وأكثر تعقيدا: أين تبدأ وتنتهي سلطة الدولة على القرار الأمني؟ وهل يمكن أن تكون هناك أجهزة أمنية أو استخبارية موازية لأجهزة الدولة، تنفذ أجندات أو سياسات مرتبطة بقوة إقليمية، وتؤثر في الوضع الأمني والسياسي داخل البلاد، ثم نقول إن ذلك يمثل ترجمة فعلية لسلطة الدولة على الملف الأمني!؟
وهل يمكن اعتبار قمع الرأي المخالف، كما حدث خلال انتفاضة تشرين، شأن منفصل عن هذا الملف، أم أنه جزء من السؤال الأكبر المتعلق بمن يمتلك القرار الأمني الحقيقي في البلاد؟ إن القضية هنا ليست في وجود قوات أجنبية من عدمه فقط ولا في انسحاب هذه القوات أو بقائها، وإنما فيمن يمتلك القرار عندما يتعلق الأمر بالأمن والسلاح واستخدام القوة. فالدولة التي تحتكر السلاح لا يعني أن السلاح يكون حكرا على قواتها العسكرية والأمنية على اهميتها فقط ، بل يعني أيضا أن قرار استخدام القوة يجب أن يكون قرار صادر عن مؤسسات الدولة وخاضعا للقانون، وليس لجهة سياسية أو عسكرية محلية أو إقليمية أخرى.
وشعبنا الذي يعاني من الفساد المحمي بالسلاح، وسوء الخدمات والبطالة والفقر، والمضاربة في سوق العملة والعقارات وتأثيرهما في الاقتصاد الوطني وحياة الفقراء. ينظر وله كامل الحق، بعين الريبة والشك إلى التصريحات الحكومية والأمنية والعسكرية التي تتحدث عن احتكار السلطة للملف الأمني. فالمواطن العراقي لا يريد فقط أن يعرف متى تنسحب القوات الأجنبية، وإنما يريد أن يعرف أيضا: من يملك قرار السلاح ، ومن يملك قرار استخدامه؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟ ومن يحمي الدولة عندما تتعارض مصالحها مع مصالح أي قوة داخلية أو إقليمية؟
وهنا تحديدا تكمن المسألة، فاالحكومة قد تكون قادرة على تحديد طبيعة الوجود العسكري الأجنبي مثلما تقول اليوم، وقد تنجح في إنهائه بالكامل وهذا أمر مهم وضروري للسيادة العراقية. لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الحكومة تحديد طبيعة كل أشكال الوجود الأمني داخل العراق، وفرض قرار الدولة على الجميع؟ فبين الوجود العسكري والوجود الأمني فرق كبير. فالأول يمكن أن ينتهي باتفاق وانسحاب وتسليم مواقع عسكرية سواء كانت معسكرات او مطارات. أما الثاني، فإنه لا ينتهي إلا عندما يصبح قرار الدولة هو القرار الوحيد في السلاح والأمن والاستخبارات واستخدام القوة.
ولهذا فإن لسان حال المواطن العراقي قد يقول للحكومة وهي تعلن أنهاء الوجود العسكري والأمني الأجنبي: انهاء الوجود العسكري... قد، انهاء الوجود الأمني... لا.
زكي رضا
الدنمارك
28 /9 /2026
