للذهاب الى صفحة الكاتبة   

القدس تُعاد صياغتها على الأرض: من يملك حق رسم مستقبل المدينة؟

رانية مرجية

 

 

ليست خطورة ما يجري في القدس في عدد الوحدات الاستيطانية المعلَن عنها، ولا في قرارات الإبعاد التي تطال المقدسيين فحسب؛ بل في السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الوقائع مجتمعة: من يملك حق رسم مستقبل المدينة، ومن يتحمل كلفة القرارات التي تغيّر واقعها؟

 

فالقدس ليست مساحة عمرانية تُقاس بعدد المباني والطرق، بل مدينة ترتبط فيها الأرض بحقوق السكان وذاكرتهم وحياتهم اليومية. وما يحدث فيها لا يمكن فهمه من خلال خبر منفرد أو قرار عابر، بل من خلال متابعة التطورات المتعاقبة، وقراءة أثرها في السكن والحركة والعبادة، وفي قدرة المقدسيين على التمسك بحقوقهم وصون مستقبلهم.

 

في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أُعلن عن طرح عطاءات لبناء 1,080 وحدة استيطانية في القدس ومحيطها الشرقي: 730 وحدة في مستوطنة «بسغات زئيف»، و350 وحدة في «معاليه أدوميم»، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، نقلًا عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

 

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها وحده، بل في الأسئلة التي تفرضها بشأن مواقع المشاريع وعلاقتها بالتوسع الاستيطاني القائم ومستقبل التخطيط العمراني في المنطقة. ففهم أثر أي مشروع يتطلب النظر إلى موقعه، واستخدامات الأراضي المحيطة به، وصلته بالتجمعات الفلسطينية، والاستناد إلى خرائط ودراسات مستقلة تحدد نتائجه الفعلية والمحتملة.

 

الاستيطان أبعد من عدد الوحدات

في سياق الاحتلال، لا يمكن فصل الاستيطان عن أبعاده السياسية والجغرافية. فالمشاريع العمرانية لا تُقرأ بمعزل عن مواقعها، ولا عن الطرق التي تربطها بمحيطها، ولا عن مخططات التنظيم والتوسع التي تؤثر في حياة السكان.

 

لذلك، لا يكفي أن نسأل: كم وحدة ستُبنى؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: أين تقع؟ وما علاقتها بالتجمعات الفلسطينية المحيطة؟ وهل تؤثر في فرص التوسع العمراني أو في التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية؟

 

هذه الأسئلة لا تُحسم بالانطباعات، بل بالأدلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توثيق المشاريع منذ الإعلان عنها، ومتابعة مراحلها، ومقارنة مواقعها ونتائجها بالقرارات السابقة. فالتغطية التي تكتفي بعدّ الوحدات تنقل الخبر، لكنها لا تشرح بالضرورة ما يعنيه على الأرض.

 

إن فهم التحولات في القدس يحتاج إلى رؤية تراكمية تربط التخطيط بالمكان وحقوق السكان. فالجغرافيا ليست خلفية للأحداث؛ إنها جزء من فهمها. وكلما كانت البيانات والخرائط أكثر دقة، أمكن الانتقال من المخاوف العامة إلى تحليل واضح يحدد ما يمكن إثباته، وما يحتاج إلى مزيد من البحث والمساءلة.

 

الإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة: ما وراء الأرقام

في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقلت وسائل إعلام فلسطينية عن مركز معلومات وادي حلوة أن عدد قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس تجاوز ألف قرار منذ بداية العام.

 

ويقتضي التعامل المهني مع هذا الرقم توضيح نطاقه: فهو، وفق الخبر المنشور، يتعلق بقرارات الإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة معًا، وليس بالضرورة بقرارات الإبعاد عن المسجد وحده. كما ينبغي الرجوع إلى تفاصيل الإحصاء لتحديد ما إذا كان يحصي القرارات أم الأشخاص المشمولين بها، والفترة الزمنية التي يغطيها.

 

لكن التدقيق في الرقم لا يلغي الأسئلة الحقوقية التي يثيرها. فما أثر هذه القرارات في قدرة المقدسيين على الوصول إلى أماكن عبادتهم؟ وما انعكاساتها على حياتهم اليومية وصلاتهم الاجتماعية؟ وما الضمانات القانونية المتاحة لمن تشملهم هذه الإجراءات؟

 

فالإبعاد ليس مجرد قرار إداري ينتهي عند صدوره؛ إذ قد يقيّد وصول الفرد إلى مكان عبادته، ويمسّ تفاصيل حياته وعلاقته بالمكان. ومن هنا، لا ينبغي أن يتوقف العمل الحقوقي والإعلامي عند نشر العدد الإجمالي، بل يجب أن يشمل توثيق الحالات، ومتابعة مدد القرارات وأسبابها، ورصد آثارها، وتوضيح سبل الاعتراض عليها حيثما أمكن.

 

فالرقم يلفت الانتباه، لكن التوثيق الدقيق هو ما يمنح المساءلة أساسًا يمكن الرجوع إليه، ويحفظ للمتضررين حقهم في أن تُروى تجاربهم بعيدًا عن التعميم أو الاختزال.

 

من الإدانة إلى المساءلة

تتكرر المواقف الدولية الرافضة للتوسع الاستيطاني، لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو مدى انعكاس هذه المواقف على الواقع. ولا يمكن تقييم فاعليتها من دون تحديد الجهات التي أصدرتها، ومضمونها، وما إذا كانت قد تبعتها خطوات عملية.

 

إن استمرار طرح المشاريع الاستيطانية يستدعي مساءلة جدية عن الأدوات السياسية والقانونية المتاحة، وعن كيفية استخدامها، وعن الجهات التي تستطيع التأثير في مسار القرارات. فإصدار موقف لا يكفي وحده؛ الأهم هو ما يتبعه من متابعة، وما يترتب عليه من إجراءات، وما يمكن قياسه من نتائج.

 

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المواقف الدولية، بل إخضاعها لمعيار الفاعلية. فالقدس تحتاج إلى متابعة متواصلة تربط التصريحات بالأفعال، وتحدد المسؤوليات، وتمنع تراجع الاهتمام بمجرد انحسار التغطية الإعلامية.

 

إن التعامل مع المدينة بوصفها ملفًا موسميًا، يستعيد حضوره عند الإعلان عن مشروع جديد أو صدور قرار إبعاد ثم يتراجع، لا يوازي حجم التحديات التي تواجه أهلها. المطلوب هو رصد مستمر للتطورات، وتوثيق لما يترتب عليها، ومساءلة للجهات المعنية بناءً على وقائع واضحة.

 

الإعلام: الدقة جزء من الدفاع عن الحقوق

في القضايا التي تمس الأرض والحقوق، لا تكفي قوة الموقف وحدها؛ إذ يجب أن تقترن بدقة المعلومة. فمسؤولية الإعلام لا تقتصر على نقل الأرقام والعناوين، بل تشمل تفسير دلالاتها، ووضعها في سياقها، والتمييز بين الخبر المثبت والاستنتاج التحليلي.

 

عند الإعلان عن عطاء استيطاني، ينبغي أن تتجاوز التغطية عدد الوحدات إلى موقع المشروع ومخططاته وصلته بمحيطه. وعند نشر رقم عن قرارات الإبعاد، ينبغي توضيح مصدره وفترته الزمنية وطريقة احتسابه. وعند الإشارة إلى موقف دولي، ينبغي تحديد الجهة التي أصدرته وتاريخه ومضمونه.

 

هذه ليست تفاصيل شكلية؛ إنها أساس المصداقية. فالادعاء غير الدقيق قد يفتح بابًا للطعن في المادة كلها، بينما تمنح المصادر الواضحة والتحليلات المنضبطة القضية قدرة أكبر على الصمود أمام التدقيق.

 

كما يجب ألا يظهر المقدسيون في التغطية بوصفهم أرقامًا أو موضوعات للحديث عنهم فحسب. ينبغي أن تكون تجاربهم جزءًا من فهم ما يجري: كيف تؤثر القيود في حياتهم؟ وما التداعيات القانونية والاجتماعية لقرارات الإبعاد؟ وما التحديات التي تواجه الأسر في السكن والحركة والوصول إلى الخدمات؟

 

بهذا المعنى، تصبح الصحافة مساحة لتوثيق التجربة الإنسانية ومتابعة المسؤولية عن القرارات وآثارها. فالدفاع عن الحقوق لا يتعارض مع الدقة؛ بل يستمد منها قوته ومصداقيته.

 

من التوثيق إلى العمل

إن إبقاء القدس في صلب الاهتمام العام يتطلب تحويل التوثيق إلى عمل مستمر، من خلال خطوات عملية:

 

توثيق العطاءات الاستيطانية: تسجيل مواقع المشاريع وأرقامها وتواريخها والجهات المعلنة عنها، مع إتاحة الوثائق الأصلية قدر الإمكان.

إعداد دراسات جغرافية مستقلة: فحص علاقة المشاريع بالتجمعات الفلسطينية وأثرها المحتمل في التخطيط العمراني والتواصل الجغرافي.

توحيد إحصاء قرارات الإبعاد: التمييز بين عدد القرارات وعدد الأشخاص، وتحديد الفترات الزمنية ومدد القرارات وأسبابها متى توفرت المعلومات.

توثيق الأثر الإنساني: جمع شهادات المقدسيين ومتابعة الآثار القانونية والاجتماعية للقيود، بدل الاكتفاء بالأرقام الإجمالية.

متابعة المواقف الدولية: ربط التصريحات والالتزامات بخطوات قابلة للتقييم، وتحديد الجهات المسؤولة عن المتابعة.

ضمان استمرارية التغطية: متابعة ما يحدث بعد الإعلان عن المشروع أو القرار، لا الاكتفاء بتغطية لحظة صدوره.

هذه الخطوات لا تدّعي حل تعقيدات القدس دفعة واحدة، لكنها تضع النقاش على أرضية أكثر صلابة، وتمنح المؤسسات الحقوقية والإعلامية أدوات أوضح لتحديد المسؤولية وقياس النتائج.

 

القدس ليست رقمًا؛ إنها حق في المستقبل

إن العطاءات الاستيطانية الجديدة وقرارات الإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة تستحق قراءة تتجاوز الخبر المنفرد. فهي تثير أسئلة عن الأرض وحقوق السكان، وعن أثر القرارات المتعاقبة في شروط السكن والحركة والعبادة، وعن قدرة المقدسيين على المشاركة في صناعة مستقبل مدينتهم.

 

ولا ينبغي أن يكون الاختيار بين خطاب عاطفي لا يقدم أدلة، وخطاب متحفظ يفقد القضية معناها الإنساني. المطلوب هو الجمع بين وضوح الموقف ودقة المعلومة، وبين الدفاع عن الحقوق والاستعداد لإثبات الوقائع، وبين إبراز المعاناة ومساءلة الجهات المسؤولة.

 

فالقدس ليست عنوانًا عابرًا في نشرة أخبار، ولا رقمًا يزداد في تقرير، ولا مجموعة مشاريع يمكن فهم كل واحد منها بمعزل عن محيطه. إنها مدينة يعيش فيها الناس، ويحتاجون إلى السكن والحركة والعبادة والتعليم، وإلى حماية حقوقهم وإتاحة المجال لهم للمشاركة في رسم مستقبلهم.

 

والدفاع عن القدس لا يبدأ بعد اكتمال الوقائع الجديدة، بل من رصدها وهي تتشكل، وتوثيقها قبل أن تضيع تفاصيلها، ومساءلة المسؤولين عنها، وإبقاء حقوق أهل المدينة في صلب النقاش بشأن حاضرها ومستقبلها.

 

فالمعيار الحقيقي ليس عدد البيانات التي تصدر دفاعًا عن القدس، بل مقدار ما تحققه من مساءلة، وما تسهم به في حماية الحقوق، وما تمنعه من تحوّل الوقائع المفروضة إلى أمر يصعب تغييره.

 

رانية مرجية