للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصتان قصيرتان/ ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 

(1)

ملحمة الرغيف

حدثني صديقي جلال الاسكافي عن اغرب ما حدث له في زمن الخدمة العسكرية بزمن القائد الاوحد, قال: في تلك الايام كانت السماء رمادية كئيبة، تُشبه تماماً لون البزة العسكرية الخشنة التي حُشرتُ فيها حشراً. لم يكن أمامي خيار آخر؛ فإما الالتحاق بـ "قاطع الجيش" لتنفيذ الأوامر الصارمة، وإما أن يستضيف مقص "الرفاق" شحمة أذني أو طرف لساني كعقوبة للمتخلفين عن نداء الواجب الأوهامي. وهكذا، وجدتُ نفسي جندياً في جيشٍ يحارب طواحين الهواء، مدفوعاً ببيانات عسكرية يزأر بها المذياع بصوت مرعب كفيل بهزّ أركان الأجيال القادمة، بينما معدتي تقرقر بنشيدٍ مغاير تماماً:

 

مر أسبوع كامل، وصديقي الوحيد في هذه القفار هو حمار "الوحدة العسكرية". حمارٌ صبور، كُتب عليه هو الآخر أن يصعد بي وبمعداتي النحيلة إلى قمة التل، حيث تستقر مفرزتنا البائسة لمواجهة الأعداء المفترضين الذين يعشعشون في مخيلة الطاغية وحدها. كنا، أنا والحمار، نتقاسم الهَم، والنظرات البائسة، وقرصات البطن الخاوية في زمن "الحصار" العجيب.

 

على بعد خطوات، كانت تقبع "صمونة" عراقية متحجرة، رماها الزمن أو جندي راشد قبلنا. لم تكن مجرد قطعة خبز، بل كانت تبدو في عيني كقطعة من ذهب خالص. ولكن، لم أكن الوحيد الذي يمتلك حاسة شم خارقة في أوقات المحن؛ إذ التفتت أذنا الحمار الطويلتان كـ "رادار" عسكري، وبرقت عيناه بوميض لم أره فيه من قبل.

 

تحركتُ بسرعة "صاعقة"، وفي ذات اللحظة انطلق الحمار بسرعة "فهدٍ" جائع. هجمنا معاً على الصمونة المتحجرة كأننا نهاجم معقلاً للأعداء. التقت يدي بطرفها الأيمن، بينما أطبقت أشداق الحمار وقواطعه الشرسة على طرفها الأيسر.

"هذه لي أيها الرفيق الحمار! أنا إنسان مكرّم، وأنت مجرد وسيلة نقل!" صرختُ في سري وأنا أشد بكل ما أوتيت من رمق.

لكن نظرات الحمار كانت تقول: "في قانون الجوع، تسقط الرتب والمقامات!"

 

بدأ حبل شد وجرّ ملحمي. أنا أجرّ بيدي النحيفتين، وهو يجرّ برأسه العنيد. كانت الصمونة متماسكة كالصخر بفعل عوامل الجفاف والزمن، وظننتُ أنها لن تنكسر. تراجع الحمار خطوة إلى الوراء مطلقاً نهيقاً مكتوماً مخيفاً، وشددتُ أنا بكل عزمي مسترجعاً صور الجوع والحصار وتهديدات قطع الآذان...

"طق!"

 

تفتتت الصمونة اللعينة في المنتصف بغتة! تراجع الحمار وارتد إلى الخلف ساقطاً على قفاه، بينما طرتُ أنا في الهواء لأسقط على ظهري متدحرجاً. أما قطعة الصمونة الرئيسية، فلم تكن من نصيب أيٍّ منا؛ إذ أخذت تتدحرج بخفة واستهزاء أمام أعيننا الذهولة، لتسقط في وادي سحيق لا قاع له.

 

جلستُ على التراب أنفض الغبار عن بزتي العسكرية، وجلس الحمار على أطرافه الخلفية يرمق الوادي بنظرة انكسار لم يعرفها "المتنبي" في حياته. تنهدتُ بحسرة هزت أضلعي، وفي ذات اللحظة، أطلق الحمار زفيراً حاراً من منخريه يقطر ندماً. وبقينا هناك، على قمة ذلك التل، يحاصرنا الجوع من كل جانب، وتجمعنا حسرة واحدة... حسرة الرغيف الذي ضاع بين عناد الجندي العراقي وكبرياء الحمار.

 

(2)

نعيق في حزيران

تستعر بغداد في حزيران لاهبةً، كأن السماء ديمومةٌ من جمرٍ مسكوب على أرصفةٍ صهرها الهجير، وفي جوف تلك الكتمة الخانقة، قبع الرجلان يقتاتان على الضجر، بينما خلت الشوارع في الخارج وشُلّت حركتها بـ «أمر الريس» كالعادة، تحت ذريعة الإشفاق على الرعية من رمضاء الشمس.

 

وسط ذلك الأتون، أخذ يرتشف الشاي القاني الساخن بأنفاسٍ متثاقلة، ثم التفت نحو رفيقه الذي يأكل قطعة بصل مشوي بنبرةٍ تقطر تهكماً: هل تناهى إلى سمعك ما يزعمه صديقنا المعتوه "رؤوف"؟ لقد ادعى أنه عبقريٌ هندسة عابرة للقارات, لا يدرك شأوه أحد، والأدهى أن من فرط السذاجة دفع ببعض الناس لتصديقه، حتى أقسم "جليل الحلاق" جهراً بأن الأستاذ رؤوف هو العقل المدبر وراء تشييد برج إيفل، فصدقه الكثيرون.

 

تنفّس رفيقه الصعداء بزفرةٍ لاهبة، وافترّ ثغره عن ابتسامةٍ ساخرة تقطر مرارة وقال: يا صاحبي، إذا كان "الريس" قد ارتدى مسوح "عبد الله المؤمن" وسكينه ما زالت تقطر دماً، وصهره "حسين كامل" قد غدا فجأةً جهبذ الكيمياء وحائز أرفع الرتب العسكرية وهو بالكاد يفكّ الخطّ إملاءً؛ فهل عزّ على مغفلٍ كرؤوف أن يتقمص دور "إيفل" الشرق؟ إنها جينات العصر.

 

انفجرت بينهما ضحكةٌ مكتومة بللت عروق حلقيهما الجافين، ليعقب الأول يهز رأسه بأسى: صدقت، فنحن نعيش حقبة "عفلق"، تلك المقصلة التاريخية التي غدا فيها الكذب حقيقة,  وصار كل زيفٍ ممكناً.

 

فجأة، تلوّن وجه الثاني بالرماد، واختلج جسده كمن استيقظ من كابوس، ليدفع بالكلمات همساً مرتجفاً: «ويحك.. صه! إن للجدران مجساتٍ لا تنام! ألم يتعظ قلبك مما حل بجارنا "الأستاذ كمال" الذي غيبته السجون لمجرد دعابةٍ أطلقها بحق الريس؟

 

هبط على إثر كلماته صمتٌ ثقيل كصخرة، بددته بحة نعيقٍ مشؤوم لغرابٍ حط بغتةً على حافة النافذة. تملك الفزع قلبيهما، واشرأبت أعناقهما نحو الزجاج؛ كان الطائر حالك السواد، يرمقهما بنظراتٍ ثاقبة وحادة، كأنه عسسٌ من عيون السلطة، يسترق السمع بتمعّن ليصيغ تقريره الأخير.