للذهاب الى صفحة الكاتبة   

ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للروح

قراءة تأويلية في قصيدة الشاعر سامي الجابري

رانية مرجية

ناقدة وكاتبة

 

ثمة نصوص نقرأها فنفهمها، وثمة نصوص نقرأها فتقرأنا. وقصيدة الشاعر سامي الجابري تنتمي إلى الفئة الثانية؛ لأنها لا تعرض تجربة عشق بقدر ما تكشف مأساة الكائن الإنساني وهو يحاول أن يعبر من حدود ذاته إلى اتساع المطلق.

 

منذ السطر الأول لا يضعنا الشاعر أمام قصة حب، بل أمام طقس كوني من الاحتراق:

 “على وقع الهوى ناري تلظّى”

فالهوى هنا ليس سبباً للنار، بل إيقاعها. وكأن العشق ليس حادثةً تقع في العمر، وإنما قانونٌ خفيّ يحكم الوجود كله. إننا أمام شاعر يدرك أن الإنسان لا يُعرَّف بما يملك، بل بما يحترق فيه.

 

لهذا لا تبدو المرأة في النص معشوقةً بقدر ما تبدو قوةً كونية قادرة على إعادة تشكيل العالم. إنها ليست شخصاً محدداً، بل صورة رمزية للحياة ذاتها، للحضور الذي يمنح الأشياء معناها.

حين يقول:

 “أنا سرٌّ تعالى فوق صمتٍ”

فإنه لا يصف نفسه، بل يعلن مأزق الإنسان الأزلي.

فالإنسان في جوهره سرٌّ يبحث عن تفسير، وكل محاولة لتعريف الذات ليست سوى اقترابٍ ناقص من حقيقتها.

 

ومن هنا تتولد المفارقة الكبرى في القصيدة: فكلما حاول الشاعر الإمساك بنفسه، تحوّل إلى بحر.

 “وبحرٌ في المدى يغزو شحوبي”

والبحر في الشعر العظيم ليس ماءً، بل مصير.

إنه الرمز الأقدم للاتساع الذي يهدد الحدود، وللعمق الذي لا يكشف قاعه لأحد.

ولهذا يبدو الشاعر وكأنه يعيش صراعاً بين صورتين: صورة الكائن المحدود الذي يذبل ويشحب، وصورة الروح التي تطمح إلى اللانهائي.

 

ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية للنص. إنها ليست رحلة نحو المرأة، بل نحو الذات عبر المرأة.

ولهذا يطلب الذوبان:

 “فذوبي في دمي ألق امتنانٍ”

 

فالذوبان هنا ليس عشقاً جسدياً، بل محاولة للخلاص من عزلة الوجود.

إن كل إنسان يحمل داخله جرح الانفصال الأول؛ انفصاله عن الآخر، عن العالم، عن المطلق. والحب في هذه القصيدة هو المحاولة المستمرة لترميم ذلك الشرخ القديم.

 

لكن الجابري يذهب أبعد من ذلك حين يكتب:

 “أنا يا أنتِ هذا الكون أنثى”

وهنا تبلغ الرؤية الشعرية ذروة فرادتها.

إنه لا يؤنث المرأة، بل يؤنث الكون.

يمنح الوجود كله جوهراً أنثوياً.

وكأن الأنثى هنا ليست كائناً بيولوجياً، بل مبدأ الخلق نفسه. هي الرحم الكوني الذي تخرج منه الأشياء جميعها. وهي النبض الأول الذي يجعل العالم قابلاً للحياة.

إنها ليست امرأةً يحبها الشاعر، بل صورة الوجود حين يصبح قابلاً للعشق.

 

ومن أعمق لحظات النص تلك المفارقة المدهشة:

 “فكوني واقعاً حباً نفوراً”

 

إذ يكشف الشاعر عن حقيقة نادراً ما يعترف بها الشعراء: أن الحب لا يعيش في اليقين، بل في التوتر.

 

الحب الكامل يموت.

أما الحب الذي يبقى فهو ذاك الذي يظل معلقاً بين الحضور والغياب.

بين الرغبة والخسارة.

بين الاقتراب والاستحالة.

ولذلك لا يطلب الطمأنينة، بل يطلب القلق الخلّاق الذي يبقي القلب مستيقظاً.

 

ثم تأتي اللحظة المفصلية في النص:

 “سأحرق كل أقناع التمني”

وهنا ننتقل من الغزل إلى الفلسفة.

فالأقنعة هي كل ما نتخفى خلفه لننجو من مواجهة حقيقتنا.

أقنعة الانتظار.

أقنعة الوهم.

أقنعة الاحتمالات المؤجلة.

 

والشاعر لا يريد النجاة. إنه يريد الحقيقة. والحقيقة في نظره لا تُمنح إلا لمن يمتلك شجاعة الاحتراق. لهذا لا يخاف النار. بل يخاف الأقنعة.

إنها لحظة نادرة يتحول فيها العشق إلى فعل تطهير وجودي.

 

وحين يقول:

 “لتبقى النار تعصف في هروبي”

تنكشف عبقرية الصورة.

 

فالنار لا تعصف في الوصول، بل في الهروب. وكأن الإنسان مهما ابتعد عن قدره يعود إليه من حيث لا يدري. إن ما نهرب منه غالباً هو أكثر ما يسكننا. لهذا لا تبدو القصيدة رحلة بحث عن الحبيبة، بل رحلة هروب مستمرة من الذات نحو الذات.

 

وفي مواجهة هذا الطوفان الوجداني يقف العقل عاجزاً:

 “وهذا العقل يأبى أن يجاري

لهيب الوقت في رحم الدروب”

 

إنها من أجمل صور النص وأكثرها كثافة.

فالوقت يتحول إلى لهيب.

والدروب تتحول إلى رحم.

والحياة كلها تصبح عملية ولادة مستمرة للمعنى.

لكن العقل، بأدواته المحدودة، يعجز عن إدراك هذه الولادة. لأن بعض الحقائق لا تُفهم، بل تُعاش. ولا تُفسَّر، بل تُحترق.

 

ومن هنا تأتي الدعوة الأخيرة:

 “فغوصي في مداراتي تعالي

لتحترق الحدود بلا عتوبي”

 

إنها ليست دعوة للحب. إنها دعوة لهدم الجدران التي تفصل الكائن عن جوهره.

حدود اللغة.

حدود الهوية.

حدود الخوف.

حدود الممكن.

فالاحتراق في هذه القصيدة ليس موتاً، بل عبور. ولذلك تنتهي الرحلة كما بدأت: بالنار. لكنها لم تعد نار الشوق وحده، بل نار المعرفة.

 

نار الإنسان الذي أدرك أن الحياة ليست ما نعبره سالمين، بل ما يترك في أرواحنا أثر الاحتراق.

 

لهذا أرى أن سامي الجابري لم يكتب قصيدة عشق بقدر ما كتب بياناً شعرياً عن الكائن الذي يفضّل أن يحترق بالحقيقة على أن يعيش مطمئناً داخل الوهم.

 

إنها قصيدة تنتمي إلى ما يمكن تسميته “لاهوت الشوق”؛ حيث يصبح الحب طريقاً إلى اكتشاف الذات، وتغدو الأنثى استعارةً كونية للحياة، وتتحول النار من أداة فناء إلى وسيلة انبعاث.

 

وفي هذا يكمن سر جمالها. فالعاشق في هذا النص لا يبحث عن امرأةٍ يكتمل بها… بل يبحث عن نارٍ تكفي ليعرف من يكون.

 

رانية مرجية

ناقدة وكاتبة