
البقاء على قيد المهزلة: قراءة في كتاب الأديب ثامر الحاج أمين
نبيل عبد الأمير الربيعي
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتتشابك فيه الوقائع حتى تبدو أحياناً أقرب إلى المشاهد السريالية منها إلى الواقع المألوف، يطل الأديب ثامر الحاج أمين بكتابه الموسوم (البقاء على قيد المهزلة.. تأملات في واقع سريالي) ليقدم للقارئ رحلة فكرية وإنسانية تجمع بين المقالة الأدبية والتأمل الفلسفي والنقد الاجتماعي واستعادة الذاكرة الثقافية.
ومن خلال العنوان يضعنا المؤلف أمام مفارقة لافتة؛ فالبقاء على قيد الحياة لم يعد التحدي الأكبر، بل أصبح البقاء على قيد العقل والكرامة وسط ما يشبه (المهزلة) اليومية هو الامتحان الحقيقي للإنسان المعاصر. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته بوصفه شهادة على عصر مضطرب أكثر من كونه مجرد مجموعة مقالات متفرقة.
يضم الكتاب (215) من الحجم المتوسط، وطيفاً واسعاً من الموضوعات التي تمتد من الشأن الاجتماعي والسياسي إلى الثقافة والفن والتاريخ والفلسفة. ففي مقالات مثل (غربتنا في البلاد) و(بلاد بلوحة سريالية) و(ما يحدث في دوائرنا الحكومية) و(ما يحدث في أسواقنا) يسلط المؤلف الضوء على اختلالات الواقع العراقي، مستعيناً بلغة تجمع بين السخرية المرة والتأمل العميق، ليكشف حجم التناقضات التي يعيشها المواطن بين ما يحلم به وما يواجهه يومياً.
ولا يقف الكتاب عند حدود النقد الاجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الأفكار والمفاهيم الكبرى. ففي مقالات مثل (عن العدمية وأنصارها) و(حديث عن المواطنة) و(العبودية الطوعية لتاج الرأس) و(نقد المسؤول ليس جريمة) يطرح المؤلف أسئلة جوهرية تتعلق بالعلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الوعي والاستلاب، في محاولة لإعادة الاعتبار إلى التفكير النقدي بوصفه شرطاً ضرورياً لأي نهضة مجتمعية.
ويكشف الكتاب عن اهتمام واضح بالشخصيات الثقافية والأدبية والفنية، إذ يفرد مقالات مميزة لعدد من الأسماء البارزة مثل بدر شاكر السياب، وكريم العراقي، وعبد الرحمن الربيعي، ويعقوب جواد، وإقبال نعيم، فضلاً عن تناوله تجارب إنسانية وفكرية عالمية مثل جلال الدين الرومي وكونفوشيوس وحافظ الشيرازي. وهذه المقالات لا تكتفي بالتعريف بأصحابها، بل تحاول قراءة أثرهم الفكري والإنساني في سياقاتهم التاريخية والثقافية.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب اهتمامه بالسينما بوصفها مرآة للمجتمع والإنسان. فالمؤلف يتوقف عند أفلام مهمة مثل (يوميات دراجة نارية) و(فندق رواندا) و(الصوت الهامد) وغيرها، مستخرجاً منها دلالات إنسانية وفكرية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس قضايا الحرية والعدالة والصمود والإرهاب والهوية.
كما يحضر التاريخ بقوة في صفحات الكتاب، سواء عبر استعادة أحداث الحرب، أو قراءة سير الرؤساء، أو استحضار شخصيات شعبية مثل (حنتوش سلام)، أو العودة إلى العادات والتقاليد التي بدأت تندثر تحت ضغط التحولات الاجتماعية الحديثة. وهنا تتجلى نزعة المؤلف التوثيقية التي تسعى إلى حماية الذاكرة من النسيان، وإبقاء الصلة قائمة بين الماضي والحاضر.
ويمتاز أسلوب ثامر الحاج أمين بالبساطة الممتنعة؛ فهو يكتب بلغة واضحة بعيدة عن التعقيد، لكنه لا يتخلى عن العمق الفكري والبعد التأملي. كما تتسم مقالاته بقدرتها على الانتقال بين الخاص والعام، وبين الواقعة اليومية والفكرة الفلسفية، وهو ما يمنح النصوص حيوية تجعلها قريبة من القارئ على اختلاف اهتماماته.
إن كتاب (البقاء على قيد المهزلة) ليس مجرد مجموعة من المقالات المتناثرة، بل هو محاولة لرسم صورة بانورامية لعالم يزداد التباساً يوماً بعد آخر. وفي هذا العالم المضطرب يظل الكاتب متمسكاً بدور المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهمه ونقده وكشف مفارقاته، مستنداً إلى ثقافة واسعة وخبرة إنسانية غنية وإيمان عميق بقيمة العقل.
لقد نجح ثامر الحاج أمين في أن يجعل من هذا الكتاب سجلاً فكرياً وإنسانياً لمرحلة كاملة، وأن يقدم للقارئ مادة متنوعة تجمع بين المتعة والمعرفة والتأمل. وهو بذلك يواصل تقليداً ثقافياً عراقياً عريقاً يجعل من المقالة الأدبية فضاءً للحوار مع الذات والمجتمع والتاريخ، ويؤكد أن الكتابة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة العبث والاحتفاظ بمعناها حتى في أكثر الأزمنة سريالية.
