للذهاب الى صفحة الكاتبة   

قصة قصيرة/ ما تركناه لله

رانية مرجية

 

 

كانت تعرف أن شيئًا ما تغيّر في قلبها يوم رأته يضع ملعقة السكر جانبًا دون أن يحرّك قهوته.

سألته:

— ألا تشربها حلوة؟

ابتسم:

— كنت أحبها حلوة… ثم اكتشفت أنني تعودت عليها هكذا فقط.

ضحكت. ولم تعرف لماذا بقيت الجملة في ذاكرتها. ربما لأن بعض التفاصيل الصغيرة تقول عن الإنسان أكثر مما تقوله الاعترافات الطويلة.

 

كان المطر يطرق زجاج المقهى، والناس من حولهما يتحدثون بصوت مرتفع، بينما كان بينهما هدوء غريب؛ هدوء لا يحتاج إلى تفسير.

 

في ذلك المساء، لم يتحدثا عن الحب. تحدثا عن أشياء أكثر صدقًا. عن أمّه التي كانت تخبئ خوفها بالدعاء. عن أبيها الذي رحل وترك في البيت كرسيًا لم يجرؤ أحد على نقله. عن المدن التي قد يعيش فيها الإنسان أعوامًا، ثم يكتشف أنه لم يسكنها يومًا.

 

وعندما افترقا، لم يقل لها: «أريد أن أراك مرة أخرى.» قال فقط:

— انتبهي للطريق… المطر شديد.

وظلت الجملة معها طوال الليل.

 

بعد ذلك، بدأت الأيام تجمعهما بطريقة تشبه الصدفة أكثر مما تشبه القدر. كان يأتي متأخرًا، وكانت تتظاهر بأنها لم تنتظره.

وكان يعرف. ويعرف أيضًا أن السؤال عن ذلك سيخيفها. فترك لها كذبتها الصغيرة.

 

ومع الوقت، نشأت بينهما لغة لا تحتاج إلى الكلام. حين تصمت، لا يسألها لماذا. وحين يطيل النظر إليها، لا تسأله عمّا يفكر.

كان كل واحد منهما يشعر أن الآخر لا يريد اقتحام الأبواب المغلقة، بل يريد أن يبقى قريبًا منها حتى تُفتح من تلقاء نفسها.

 

وذات مساء، وجدها تبكي في السيارة. لم يسألها ماذا حدث. جلس بجانبها فقط. وبعد دقائق قالت:

— أخاف أن أعتاد عليك.

أجاب:

— وأنا أخاف أن أعتاد أن أراك بخير، ثم يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أفعل شيئًا من أجلك.

 

نظرت إليه. كان يمكن للحظة كهذه أن تتحول إلى وعد. لكنه لم يعدها بشيء.

وهذا بالضبط ما جعلها تطمئن.

 

مرت الشهور. صار حضوره جزءًا من تفاصيلها الصغيرة: رسالة في الصباح، فنجان قهوة، مكالمة قصيرة في طريق العودة، ويد تمتد إليها حين تتعثر.

 

ثم بدأ الخوف يتسلل إلى الحب. صارت تريد أن تعرف أين هو، ومع من، ولماذا تأخر في الرد.

 

وفي إحدى الليالي قالت:

— أنت تتغير.

قال:

— ربما.

— وهذا لا يخيفك؟

— يخيفني.

— ألا تخاف أن تخسرني؟

سكت قليلًا. ثم قال:

— أخاف.

— إذن لماذا لا تفعل شيئًا؟

 

نظر إليها طويلًا.

— لأنني لا أريد أن أحافظ عليك بالخوف.

لم تفهم.

 

فأكمل:

— إذا بقيتِ لأنك تخافين أن تخسريني، فأنا لم أربحك. أنا فقط أمسكت بك.

كانت تلك الجملة أول شق في الصورة الجميلة التي بنياها. لأن الحب، حين يصبح حقيقيًا، لا يكتفي بأن يدفئنا. أحيانًا يكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا.

 

ثم جاءت الرسالة.

كان عرضًا للعمل في مدينة بعيدة؛ فرصة انتظرها سنوات، وحلمًا قديمًا لم يكن يستطيع أن يرفضه. حين أخبرها، فرحت له أولًا. ثم سكتت.

 

سألها:

— ماذا؟

قالت:

— لا شيء.

لكنه عرف أن «لا شيء» كانت أكبر من كل ما يمكن أن تقوله.

 

في الأيام التالية، أصبح كل شيء ثقيلًا. حتى الضحك. حتى الوداع عند باب البيت. وفي ليلة رحيله، جلست أمامه وقالت:

— لو طلبت منك ألا تذهب؟

 

أطرق رأسه.

— سأبقى.

 

رفعت عينيها إليه.

 

فأكمل:

— لكنني سأكره نفسي بعد ذلك.

 

سكتت. ثم قالت:

— وإذا ذهبت؟

— سأكره الغياب.

 

ابتسمت رغم دموعها.

— إذن نحن خاسران في الحالتين.

 

قال:

— ربما… إلا إذا لم نحسب الحب كسبًا وخسارة.

 

في صباح السفر، لم تذهب إلى المطار. أرسلت له رسالة واحدة:

«اذهب… ولا تجعل حبك لي سببًا في أن تصغر حياتك.»

 

قرأها أكثر من مرة. ثم أغلق هاتفه. ولأول مرة منذ عرفها، بكى. ليس لأنه سيرحل. بل لأنه فهم أن المرأة التي أحبها لم تطلب منه أن يختارها على نفسه.

كانت تحبه بما يكفي كي لا تفعل.

 

بعد سفره، بقيت الأشياء في مكانها. الكرسي. الفنجان. النافذة. لكن شيئًا واحدًا اختفى:

صوت الخطوات التي كانت تأتي من آخر الممر.

 

مرت الأسابيع، ثم الشهور. لم تنتهِ المحبة. لكنها تغيّرت. صارت أقل امتلاكًا، وأكثر دعاء.

كانت أحيانًا تفتح هاتفها، تكتب رسالة، ثم تمسحها.

 

وفي إحدى الليالي كتبت:

«اشتقت إليك.»

 

تأملت الكلمات طويلًا، ثم أضافت:

«لكنني سعيدة لأنك لم تتخلَّ عن نفسك من أجلي.»

وأرسلتها.

 

جاء ردّه بعد دقائق:

«وأنا سعيد لأنك أحببتِني دون أن تطلبي مني أن أتخلى عن نفسي.»

 

بعد عامين، التقيا صدفة. لم يكن اللقاء كما تخيلته. لا موسيقى. لا ركض. لا عناق طويل. فقط وقفا أمام بعضهما في شارع مزدحم. نظر إليها، فرأى في وجهها شيئًا جديدًا. ورأت في وجهه الشيء نفسه.

قال:

— كيف أنتِ؟

 

قالت:

— بخير. ثم ابتسمت:

— وأنت؟

 

— بخير.

 

كان هناك ألف سؤال لم يسألاه، وألف ذكرى مرّت بينهما في لحظات.

 

ثم سألته:

— هل أنت سعيد؟

 

فكر قليلًا.

— نعم.

 

ابتسمت.

— هذا يكفيني.

 

ثم سألها:

— وأنتِ؟

نظرت إلى السماء قبل أن تجيب:

— أنا أيضًا.

 

لم يعرف إن كانت تقول الحقيقة كاملة. لكنه لم يسأل. فبعض الحب يتعلم، مع الوقت، ألا يفتش عن الأشياء التي لم يعد له حق امتلاكها.

صافحها. ثم افترقا.

 

كل واحد منهما أخذ طريقًا مختلفًا. لكن هذه المرة، لم يكن في الفراق وجع البداية. كان فيه سلام.

 

في تلك الليلة، جلست وحدها قرب النافذة. تذكرت الرجل الذي أحبته. لم تتمنَّ عودته. تمنت فقط أن تظل الحياة رحيمة به. وأغمضت عينيها:

«يا الله…إن كان هذا الحب قد مرّ في حياتي ليعلّمني شيئًا، فلا تسمح لي أن أضيّع معناه وأنا أبحث عن نهايته.وإن كان قد انتهى، فاجعل نهايته طيبة كما كانت بدايته.لا تجعلني أندم على قلب أحبّ بصدق، ولا تجعلني أحوّل الفقد إلى كراهية.خذ مني ما يؤلمني… واترك لي ما جعلني إنسانة أفضل.»

ثم فتحت عينيها. كان الفجر قد بدأ. ولأول مرة، لم تشعر أنها فقدته. شعرت أنها أعادته إلى المكان الذي كان ينبغي أن يكون فيه منذ البداية:

إلى الله.

وفهمت أن بعض الأشخاص لا يأتون إلى حياتنا ليكونوا لنا. يأتون كي يوقظوا فينا قلبًا كان نائمًا. كي يعلمونا أن القرب ليس دائمًا امتلاكًا، وأن البعد ليس دائمًا فقدًا. وأن الحب، في أنقى صوره، لا يقول:

«ابقَ معي.»

 

بل يقول:

«كن بخير… حتى لو كان خيرك بعيدًا عني.»

 

ومنذ ذلك الصباح، لم تعد تخاف من الحب. لأنها عرفت أخيرًا أن الحب الذي يحتاج إلى سجن كي يبقى، ليس حبًا.

أما الحب الذي يستطيع أن يفتح يده، ويترك من يحب يذهب دون أن يطعنه باللوم…فذلك شيء آخر. شيء يشبه الصلاة. شيء لا نملكه.

نتركه لله.