كـتـاب ألموقع
• المجالس الأدبية في الحلة
محمد علي محيي الدين
· المجالس الأدبية في الحلة
امتازت المدن العلمية والأدبية والحواضر الكبرى في العراق بمجالسها العلمية والأدبية ولا تخلوا مدينة من مجالس تعددت اهتماماتها وما يدور فيها والحلة منذ قرون كان لها مجالسها الأدبية والعلمية بوصفها أحدى الحواضر المهمة في تاريخ العراق الأدبي والسياسي والعلمي وكان لأسر الحلة مجالسها المعروفة عبر عقود من السنين منها مجالس آل القزويني وال الفلوجي وال سماكه وال عوض وال البراك وال الطريحي وال علوش ،وبقيت هذه المجالس ممتدة لقرون ،حتى العهد ألبعثي ألصدامي حيث منعت التجمعات والاجتماعات فأغلقت الكثير من المجالس وأصبحت الجمعيات والاتحادات واجهات حزبية لا يدخلها إلا من سار في ركابهم ،وبعد سقوط النظام عادت المجالس الأدبية إلى الظهور من جديد وازدحمت بروادها وأصبحت من المنابر الثقافية المهمة التي تسهم إلى جانب الاتحادات والجمعيات الأدبية والثقافية بالنشاط الثقافي ومن أهمها:
1- مجلس السيد حسام الشلاه وهو مجلس أسبوعي يقام كل يوم أربعاء في داره الواقعة في الجمعية ،تلقى فيه المحاضرات الأدبية والتاريخية والثقافية ويحضره الكثير من أدباء الحلة وشعرائها ومثقفيها .
2- مجلس السيد مالك عبد الأخوة وهو مجلس حاشد تحضره شخصيات مختلفة أدباء وشعراء وفنانين وساسة ورجال أعمال وتلقى فيه محاضرات أسبوعية أختار يوم الجمعة من كل أسبوع موعدا لمجلسه الكريم هذا.
3- مجلس السيد سالم المسلماوي يقام مساء كل أثنين يحضره جمهرة من المثقفين والساسة ورجال الأعمال ،وتلقى فيه محاضرات ثقافية.
4- مجلس السيد سلمان الزركاني يعقد كل ثلاثاء ولا يختلف حضوره عن حضار المجالس السابقة وتلقى فيه المحاضرات المختلفة.
5- مجلس السيد وحودي شعيلة ويقام مساء كل خميس يحضره لفيف من المثقفين وأصحاب الرأي في الحلة وتلقى فيه المحاضرات الثقافية.
6- مجلس محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي ويعقد عصر كل جمعه تلقى فيه محاضرات أدبية وسياسية وثقافية ويتميز بالحضور الواسع لاشتماله على الكثير من أصحاب الرأي والتوجه السياسي.
7- مجلس الشيخ رعد علاوي ويقام في داره الواقعة في حي البكرلي وهو مجلس كبير يحضره مختلف الأطياف العراقية والطبقات الاجتماعية.
وهناك تقليد في هذه المجالس حيث تخصص الساعة الأولى لمناقشة مشاكل المدينة وسبل الارتقاء بها وقد تحل بعض المشاكل والمعوقات لحضور بعض المسئولين المحليين اليها وتغطى من قبل الإذاعات المحلية وتصور لأغراض التوثيق.
و في أمسية الاثنين الماضي في مجلس السيد سلمان الزركاني ألقى الأستاذ الشاعر حامد كعيد الجبوري محاضرة قيمة عن الشاعر العراقي الكبير موفق محمد كان لها صدى واسعا لما اشتملت عليه من رؤيا أثارت الكثير من النقاش ،وخصوصا من بعض المتأسلمين الذين حاولوا ألانتقاص من أدب الشاعر بالإشارة إلى سلوكه الشخصي الذي لا يوجد فيه ما يعيب سوى شرب الخمر وهو سنة اجتماعية يمارسها ملايين العراقيين بما فيهم من يدعون الالتزام بالدين أو يتصدرون واجهاته السياسية وتأريخهم لا يخلوا من هذا الأمر ولكنهم بسبب الردة الأخيرة تلبسوا بلباس الدين وتنكروا لماضيهم وتستروا على حاضرهم المليء بما هو أشد من شرب الخمر فالخمر لا يساوي في الموازين الاجتماعية ما يمارسه هؤلاء من فساد وإفساد أحال نهار العراق إلى ليل أسود،والغريب أن معارضي شرب الخمر والساعين لمنعها كانوا من شرابها وندمائها ولكن سيرهم في ركاب الحكم الجديد جعلهم يرتدون لبوسه بل يكونون أكثر ملكية من الملك ،وقد رد الشاعر حامد كعيد على أستاذ قال أنه لا يقبل أن تقرأ ابنته ديوان الشاعر موفق محمد لما فيه من شعر مكشوف ،فقال له عليك أذن إلغاء كل الشعر العربي من التداول فلا يوجد شاعر لم يذكر المرأة أو الخمر في أشعاره وأول ما تبدأ بديوان المرجع الديني الراحل محمد سعيد ألحبوبي ،وشاعر الحلة الفيحاء صفي الدين الحلي اللذين تحتوي دواوينهم على ما لم يكتبه موفق أو يتطرق إليه وكذلك الكثير من شعراء المذهب الذين كانت أشعارهم تشتمل على الغزل والتغني بالخمر.
ولروعة المحاضرة ارتأيت أن انقل محتوياتها وبعض قصائد الشاعر التي قرأت في الأمسية ،على أمل نقل أماسي أخرى في مناسبات قادمة.
حوارية الدموع في قصائد موفق محمد الشعبية
مبكراً غادر سور مدينة الشاعر الحلي الكبير موفق محمد ليعد رمزاً ثقافياً مع رموزنا الثقافية ، ومن خلال ما نشر له بالصحف العراقية والعربية والمرابد المتوالية عد كشاعر يشار إليه ، منتصف التسعينيات من القرن الماضي وتحديداً بعد قصيدته (عبد يئيل) والتي تناولتها أكثر من إذاعة عالمية (مونت كارلو ، صوت أميركا) بدأت نصوصه تترجم للغات عالمية حية (مليون للعاهر إذ ترفع عن اليته (كلك) الايام الوسخة.
لا تفارق البسمة شفتي هذا الرجل ، وكثيراً ما يتندر بحديثه ويتفكه ، قال مازحاً منتصف الستينيات انه سيقاضي كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم لأنها ذكرت والدته بإحدى أغانيها (ونه بداري وخبي) ، أمه رحمها الله اسمها )بداري) ، من بواكير كتاباته الشعبية سأورد اكثر من مقطع من قصيدة (كام اعله حيله) متغزلاً بها لنلاحظ كيف كانت حياة هذا الشاعر الكبير والتي ملئت أملا وحباً كبيراً تنبض به كل عروقه وإحساسه .
كام أعلى حيله الكَلب
من فتح باب ألهوه
والكمر حدر النهد
ينهث عليه الضوه
ويلفنه قوس القزح
داير مداير سوه
لتسولف اعلى الورد
كل الورد بيدي
ولتبطلين اللعب
برويحتي زيدي
هيجي أغاني الضوه
اتشك المسم اتفوت
وبسكوت شرب العسل
اشكد طيب البسكويت
ولوز الشفايف غنه
وعاللوز روحي تموت
يحجيلي كل النهد
وانه اسمع ابايدي
ولتبطلين اللعب
برويحتي زيدي
***
هكذا نص يحمل هذه الأنزياحات والشفافية والأمل والغزل الذي ينم عن روح متوقدة ترنو لحياة تمتلئ فرحاً وحباً واستشرافا لمستقبل يحلم به كما يحلم العقلاء ، ولو استمرت حياة موفق محمد بشكل طبيعي لأغنى الساحة الشعرية الشعبية العراقية بنصوص تشيع للحب والألفة كما فعل الرحابنه اللبنانيون ، فصروف الدهر وشظف العيش وفقدان الأحبة واحداً تلو الآخر ، أخوه الأوسط مبكراً رحل وهو بريعان الشباب ، (علي) ذلك الجميل الذي لا تزال حدائق الحلة وورودها تبكي حسنه وحيويته وثوريته ، وخروج أخيه الأصغر (رياض) هرباً من السلطة الدكتاتورية ليجوب منافي العالم لحمله أفكارا يسارية ، كل هذه الخسارات متوالية لموفق محمد ، حملها برجولة نادرة ، يبتسم للآخرين ويمازحهم ، يشاركهم بكل شيء ، لم يقصر بأداء مهمته كمدرس ناجح للغة العربية ، وما لم يكن بالحسبان ان يفقد فلذة كبده ولده البكر (عدي) الطالب الجامعي أبان الانتفاضة العراقية الوطنية النبيلة عام 1991 والتي أسقطت النظام البائد لولا انتشاله لإمرار مخططاتهم التي نشهدها ونعيشها الآن ، كانت الكارثة التي قصمت ظهر البعير ، إضافة لملاحقاته غير المنقطعة وتهميشه المتعمد من قبل النظام السابق ورموزه غير الثقافية ، كل ذلك جعلت من موفق محمد الشاعر الباسم المحب البهيج لمشروع مأساوي ولكتلة من الحزن والألم والضياع ، كيف لا وهو يرى الناس يعودون بزوجته (أم عدي) ماسكين بها لأنها تحاول الانتحار وشط الحلة عنها على مرمى حجر ، فتوثبت روحه لكتب للناس واليه احزن القصائد وأشجاها ، مشت عند فاقدي أولادهم وأحبتهم سير النار بالهشيم
ميت آنه ولا خط يجي عن موتك
سوده وحشتك يولدي حرموك من تابوتك
مشكوله ذمته الفرفحك لا تبري ذمته مروتك
ما ناح طير أعلى الشجر إلا أعلى نغمة صوتك
ويتنامى الحزن لدى موفق محمد ولا يبدو انه سيفيق من هول وعظمة النكبة ففي قصيدة (الك بيه نياشين) تجده جلداً صبوراً تحت سكاكين الجلادين والقتلة
(الك بيه نياشين
كَلب ومعلك ابعجلة سجاجين
اسكرت منه البلابل عافت التين
وناحت والشجر بجاي من فركاك) ،
ثم تتصاعد نبرة الحزن لتصل حد الدموع ، بنفس قصيدته (الك بيه نياشين) فيقول (مو يبني يبس دمي / وتهت امشي غريب ابليل السجاجين / ومطلوبه يروحي الخيل تردس بيج / وليمته الفرج مو سردانه الضيج / طويله اليوم نفخ الصور / وشيلكون / فرغت من اهلها اكبور / بروحي لشجر التنور / وبالمحراث خل يقره الجمر يبني / الخبز اسود / العمر اسود / الضوه اسود / وفحمه الروح) ، وتتحول دموعه لاكثر من ذلك ، فتحس نشيجه عالياً بقصيدته (صدك يالطولك حمام) لتجد كل عذاباته وخساراته وبرمه واستخفافه بكل شيء فيقول (لك انه معلم على الدنيه وخنكها / وسجه روحي ويا قطار الماسحكها / امجلجل العاكول بيها ولا وصل ماي العركها) ، بعد ثورته هذه لابد أن يكفكف دموعه فيكفكفها بدموع جديدة اكثر تدفقاً وحزناً فيقول وبنفس قصيدته (صدك يالطولك حمام) ، (ورد اشيمك ردلي روحي مفرفحة من غيبتك / ويا حمام البيت راعي البيت يتنه امروتك / ابروحك احلف وانت كدهه / ويلحمامه ارويحتك / ترف على كَليبي كبل موتي وانه كَليبي ملام / صدك يالطولك حمام) ، ويستمر موفق محمد هكذا فبعد مضي عشر سنوات على استشهاد ولده وهو بذلك الحزن الذي يجدده كل يوم حتى ليخال لك انه قد تعايش مع هذا الحزن الأليف واصبح احدهما رفيقاً للآخر وهو يرى اقران ولده تخرجوا من كلياتهم وتعينوا ولربما تزوجوا ، وها هو موفق محمد يفتش عن عروس لولده ففي قصيدته (شط الحلة) يقول (بلجي بنيه اعله عرفك واطلب وتلكاني قابل / صار عشر سنين مجمور الكَلب جمر المناقل) ولابد لموفق محمد ان يخبر ولده الشهيد عن عروسه وجمالها وخصالها فيقول:
(يا حلاة اغناوي عشاك الشواطي /
اتون على الصوبين واتطير الهلاهل
اشكد الك عندي رسايل
ابراض امشي افتحلي كَلبك
وخل اسيس بيك حداري
واسولفلك على الحلوات
يتمرن على الموجات
مشطن فدوه يمهيلات)
وسرعان ما يعود لسكرته مؤملاً نفسه بعودة غائبة ، فكلما راجع دوائر الأمن المقبور عاد خائباً خالي اليدين من كل شيء حتى من ورقة شهادة الوفاة فيقول:
(ولا رد خبر لهله المات
ولا كال اشجره واشصار
مقفوله قفل متفكها كل اسرار
متروسة ذهب للروس
يمته اتفك الي المحبوس
واتخبل
واجيت بيك من جسر العتيك
ازروكه وانبك غاد فوك شريعة الجاموس
ويبقى معللاً نفسه ربما وربما وسرعان ما يثوب لرشده ويعترف بالحقيقة القاتلة :
(ريض لا تعوف الحلة يالجاري
يمته تصير خطاري
واغنيله بحزن معدان
واغط وارخه العصابه
وجر من الكَلب شريان وخل ادك الربابه
ولك يابه ولك يابه
زهران الكَلب بالماي ومنهو ذب زهر جتال
وارد العن ابو الجابه)
بعد سقوط الصنم ونظامه لمزبلة التاريخ تنفس موفق محمد الصعداء ووجد نفسه كملايين العراقيين الذين فقدوا أحبتهم وبدأت كتاباته تنفتح مع الحياة الجديدة محاولاً خلع ثياب حزنه ودموعه ، لكنه يرتطم بما آل إليه العراق من تفكك وفقدان أمان وإرهاب وبدأت معه سلسلة جديدة من فقدان الأحبة والأصدقاء بيد الإرهاب الأعمى كافراً بالقيم البالية ساخراً من التاريخ المزيف حد النخاع :
ارد اشتري احصان واركب كالبعيره مطي
وانهك نهيك اللذي مزكوط غفله ابمطي
سألته مرة لماذا تضمن قصائدك الفصحى بأبيات شعبية ؟ فقال حينما تستعص عليَّ اللغة - وهي غير عصيه عليه - الجأ إلى اللهجة المحببة للناس وهي اللهجة الشعبية ، حينما نقرأ نصه الأخير (يا مطر زخنه محنه) نجد نبرات الحزن بدأت قليلاً قليلاً تغادره ، واجد إن النص جدير بالدراسة لوحده لأنه عمل كبير بمضامينه الجميلة وبنائه الشعري الرصين ، يشيع لغة التسامح وحب الآخرين ، فالمطر يحيي الأرض والقلوب على حد سواء ، ورغم ما فيها من دموع وحزن غير قديم (يا مطر لفني ابعباتك
وبلل اترابي تره ترابي عطش جم كيظ شايل
ويعود مرة أخرى ساخراً بمرارة كعادته مرمزاً للأيادي التي تسرق قوت الشعب متخفية خلف الكراسي السوداء الجوفاء
ومزنه من كاسك يبو النواس تضوي الليل كله
ومزنه فله
اتسكر الواويه كلهم وكلمن ايبوك اعلى رسله
من قلب معاناته وآلامه يرنو بعينيين واثقتين لمستقبل لابد صائر إليه البلد الجريح :
يا مطر غني الهوه ابظهرك وغني
ودكلي اصبعتين
رد النه فرحنه الشال عني
واسمع البوسات ريانه الشفايف
. لموفق محمد أثر واضح وعلامات مميزة بقصائده الشعبية فهو يخلط الجد بالهزل والحقيقة بالأسطورة ، ليخلق بقصيدته روحاً متفائلة لمتلقيها فتبسم لها مرة وتبكي لها مرات ، موفق محمد يقتل السواد بناصع البياض ، ويمسح الدموع بالفرح والانعتاق ، موفق محمد كتب نصوصه بجرأة متناهية أيام المحنة السوداء وأيام التفكك والضياع والفلتان فالتف حوله أصدقائه ومحبوه وأبناء مدينته لأنه نخلة باسقة من نخيل الحلة الفيحاء العراقية.))
- السابق
- التالي >>
المتواجون الان
413 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع


