كـتـاب ألموقع
الدين كقيمة يومية: إصلاح العلاقة بين العبادة والمعاملة// د. عامر ملوكا
- المجموعة: عامر ملوكا
- تم إنشاءه بتاريخ الأحد, 30 تشرين2/نوفمبر 2025 11:53
- كتب بواسطة: د. عامر ملوكا
- الزيارات: 819
د. عامر ملوكا
الدين كقيمة يومية: إصلاح العلاقة بين العبادة والمعاملة
د. عامر ملوكا
في حياتنا اليومية نرى صورا كثيرة للتدين، لكن أثرها على سلوكنا العام يبدو ضعيفا. نرفع الشعارات، نؤدي الطقوس، نحتفل بالمناسبات، ثم نصدم بفوضى في الشوارع، إسراف في الاستهلاك، وتراجع في الذوق العام. كأن الشعار شيء والسلوك شيء آخر. لذلك، يجب أن نفهم أين ينكسر الرابط بين الدين كقيمة عليا، والتدين كممارسة بشرية.
الدين هو المنظومة الكبرى التي ترسم مقاصد الحياة، أما التدين فهو اجتهاد البشر لترجمة هذه المقاصد إلى سلوك. وما دام اجتهادا ، فهو معرض للنقص والتحيز. يظهر الخلل حين يختزل التدين في الطقوس، فتُحفظ أشكالها ويُهمل أثرها، فينفصل الظاهر عن الجوهر.
تتجلى المشكلة في صور متعددة: شعائر تُؤدى بلا أثر على الأخلاق، ازدواجية تجعلنا نرفع شعار الدين ونكسره في الممارسة. نتحدث عن الصدق والأمانة بينما ينتشر الكذب والغش، نعلن المساواة والعدل لكن المحسوبية والواسطة تسود، نؤكد على احترام النساء بينما تمارس ضدهن أشكال من التمييز، نؤكد الطهارة والنظافة بينما تكشف الشوارع والأسواق المهملة عن الواقع. نرفع شعار الرحمة والتسامح لكن العصبية والعنف يسيطران على السلوك، ونشدد على قيمة الوقت بينما نهدره في التأخير والاستهانة بالمواعيد. حتى الفساد الذي يدان في الخطابات يتحول في الواقع إلى وسيلة لتسيير الحاجات. الاقتصاد يسرف في الكماليات ويغفل المصلحة العامة، والخطاب يجزئ القيم دون ربطها بإطار شامل يحقق العدل والاستدامة.
أسباب هذا الفصام واضحة: اختزال الدين في الطقس، تغليب العرف على النص، غياب معايير تقيس أثر العبادات، وتعظيم الرموز بلا مشروعات تغيير حقيقية. الأمثلة كثيرة: أماكن العبادة ممتلئة، لكن بعد الصلاة يعود البعض للغيبة والجدال والغش، وكأن الدين توقف عند الطقس فقط. في قضايا الزواج أو الميراث، يُقدَّم العرف على النصوص، ويُحرم البعض من حقوقهم بدعوى التقاليد. كثرة العبادات تعتبر مؤشرا على التدين، لكن لا أحد يسأل عن انعكاسها على الرحمة والصدق واحترام الآخرين. الحماسة للرموز الدينية أو الطائفية لا تتحول غالبا إلى مشاريع حقيقية لمحاربة الفقر أو إصلاح التعليم أو مواجهة الفساد.
مع ذلك، للتدين الشعبي قوته وحضوره: احتفالات، رموز، وممارسات جماعية تمنح الناس شعورا بالهوية، لكنها قد تتحول إلى مقاومة للتغيير. المطلوب ليس إلغاؤه، بل ترشيده ليخدم المقاصد الكبرى: حفظ النفس والعقل والكرامة والبيئة والمال العام.
الأزمات تعلمنا دروسا مهمة. في الجائحة، على سبيل المثال، ظهر أن غياب التنسيق بين الخطاب الديني والقرارات الصحية يفتح الباب أمام الشائعات والممارسات الضارة، بينما عندما تتكامل الفتوى مع العلم وخطط الدولة، يصبح التدين قوة فعالة ومنضبطة.
لإعادة وصل الدين بالحياة، نحتاج إلى مبادئ بسيطة: الانتقال من الطقس إلى الأثر، من الشكل إلى الثمرة العملية، الاحتكام إلى المقاصد قبل التفاصيل، قياس أثر الرموز بقدرتهم على تعظيم النفع وتقليل الضرر، والقدوة العملية أهم من الخطبة. يجب أن تتحول العادة اليومية إلى عبادة واعية تنظم السلوك وتبني المجتمع.
يمكن تطبيق ذلك بخطوات عملية: على المستوى الفردي، ميثاق شخصي ينظم النظافة والنظام والوقت والدور والأمانة، وربط كل عبادة بعمل صالح ملموس، ومراجعة أثر العبادة أسبوعيا . على مستوى الأسرة، وضع قواعد حضارية وتحويل المناسبات إلى مشاريع نفع. على مستوى المؤسسات الدينية، قياس أثر الخطاب بالأفعال، وإقامة شراكات مع المدارس والبلديات، وتدريب القادة الدينيين على إدارة الأزمات. على مستوى المجتمع والدولة، ربط الفعاليات الدينية بخطط للنظافة والسلامة، إنشاء منصات لمتابعة المشكلات، وتضمين مناهج تعليمية تربط التدين بالمواطنة المسؤولة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل يقاس تديننا بما يتركه من أثر ملموس في حياتنا اليومية؟ وإذا لم يكن الجواب نعم، فما المبادرة العملية التي يمكن أن نبدأ بها اليوم قبل الغد؟
د. عامر ملوكا
المتواجون الان
342 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع


