اخر الاخبار:
بوتين : خطر الحرب النووية يزداد وسنرد بالمثل - الأربعاء, 07 كانون1/ديسمبر 2022 21:15
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

البطاقة التموينية// نبيل يونس دمان

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

نبيل يونس دمان

 

عرض صفحة الكاتب 

البطاقة التموينية

نبيل يونس دمان

 

      البطاقة التموينية دخلت القوش في سني الحرب العالمية الثانية ، التي اطلق عليها ( سنة التموين 1944 )، سنوات اخرى أرّخها الاهالي حسب الاحداث المتميزة فيها مثل : سنة الفريق ( 1893) ، وسنة الثلج الكبير ( 1911 ) ، وسنة السونة ( حشرة السنـّك )، سنة الميران ، وسنة الزيدكيين ، وغيرها . من خلال تلك البطاقة كانت توزع حصة المواد الغذائية، وكانت الساحة المقابلة لمركز الشرطة ، تشهد كل صباح حشود الناس التي تنتظر اسمها في القوائم المعدة لذلك الغرض . وفي نفس الوقت توقفت المشاريع والاعمال ، وبات التفكير بمصائر الحرب هو السائد ، فالكل يتابع الاخبار ، مجالس القوش انقسمت بين مؤيد لدول المحور او دول الحلفاء ، الناس تترقب ما تسفر عنه تلك الكارثة الاممية التي تحصد البشر بالملايين ، وازداد القلق اكثر، كون تركيا التي اذاقتهم العذاب لقرون ، جارتهم الشمالية وحليفة لالمانيا النازية التي ارادت ان تتزعم العالم .... من وحي افكار شوفينية ، استعلائية ، عنصرية مقيتة . في نفس الفترة اجهد الحلفاء في انشاء خط دفاعي امام احتمال توغل القوات الالمانية في العراق ، في حالة انتصارهم في جبهة العلمين ، فتعبر قواتها مناطقنا باتجاه بحر قزوين وباكو لمحاصرة الاتحاد السوفيتي من ذلك الجانب . هكذا حفر الانكليز الذين كانوا شبه محتلين للعراق ، خنادقا في سهل القوش اعوام 1941- 1942- 1943  وبنوا مواقع قتالية محصنة في جهة الجبل المقابلة لقرية ( داكان ) الأيزيدية ، عندما جابههم نهير ( بهندوايا )  لم يكن امامهم سبيل ، سوى اقامة جسر كونكريتي مسلح ، سبحان الله ان يدخل الاسمنت لاول مرة في محيط بلدتنا للاستخدام العسكري . حدثني الكثيرون الذين عملو في تلك المشاريع ، واشادو بمراقب العمل الصارم ( اسطيفو بجي بلو ) الذي كان يتنقل لمراقبة العمل ، وهو على صهوة جواده .

 

   في عام 1963 اعيد العمل ببطاقة التموين مرة اخرى ، وهذه المرة اصعب واكثر أيلاما ً واطول مدة ، نتيجة انطلاق الثورة التحررية الكردية . اعتاد ( ميخا ) احد الساكنين قرب مركز الشرطة ( قشلة ) ان يمر امام المركز حتى يبلغ السوق وبحكم الجيرة وحاجة منتسبيه الى خدمات بيته كانت الشرطة لا تزعجه كثيرا ً، والا كما هو معلوم في كل ازمنة البلدة ، كانت الشرطة تفرض قوتها وتلحق الحيف بالاهالي ، واشتدت تلك الامور كثيرا ، بسبب تغير الظروف السياسية في البلد ، فخلف الجبل قتال ، وفي كل المدن المتاخمة للجبال تحاول السلطة جهدها فرض حصار اقتصادي على المقاتلين ، فقننت شراء المواد الغذائية والمحروقات بالورقة التي يوقع عليها مدير الناحية او من ينوب عنه ، واصبحت تلك الورقة عملة نادرة ، وباستمرار تزداد الحاجة الماسة لها ، حيث التقييد على المواد الغذائية الاساسية كالسكر والشاي والرز والصابون ، وتقليص كميتها الى الحد الادنى جعل الناس في ضيق شديد . كان مدير الناحية يربط عملية توزيع الاوراق به او من ينوب عنه وحسب مزاجه ، يعطها لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء ، باستمرار تتجمع الناس امام المركز نسوة ورجال مرضى ومسنين ، وتعبث بهم الشرطة دفعا ، صياحا ، واهانة . اتذكر مرة دخل العم ( حنا ) احد مسني البلدة ، غرفة المدير لطلب تلك الورقة اللعينة ، بعد ان مهد له السبيل  فراش المدير ( يوسف قوجا ) ، فانحنى الى الارض امام طاولة ( سيروان الجاف ) قائلا :  " اسعدت صباحا يا سعادة البيك " وما ان سمع المدير بكلمة البيك ، حتى انزعج جدا وقام من كرسيه الوثير ليدفع بالمسن خارج الغرفة ، وامر الفراش ان لا يدخله ابدا الى غرفته ، حاول يوسف قوجا ذلك الرجل الطيب ، ان يخفف من هموم العم حنا ، فمسك بيده حتى باب المركز ، والدموع تأبى التوقف ، فتنساب على وجه العجوز ولحيته البيضاء . هكذا كان الزمان رديئا ً والمسؤول صلفاً ، متجبراً ، حاقدا ، يتصرف كيفما يشاء فهو الحاكم المطلق يفعل ما يحلو له .

 

      كانت الاوراق توزع احيانا اخرى من قبل البلدية او من مختاري المحلات وحسب قوائم السكان وعدد نفوس الاسرة ، مع استثناء عوائل الملتحقين بالحركة الكردية ، فكانت العوائل الابية تساعد تلك الاسر واطفالها من تموينها الخاص ، ففي المآسي والملمات ، يشرع الشرفاء بتقاسم الخبز مع الجياع . كانت الشرطة او العسكر تراقب وتشرف على توزيع المواد الغذائية في السوق ، وكانت بضعة دكاكين يحق لها بيع التموين ، وقد منحت اجازة تعهد فيها صاحب الدكان ان لا يبيع ابدا مواد تصل في النهاية الى الثوار من الشيوعييين اوالبارتيين ( الديمقراطي الكردستاني ) ، وقد ثبتت على واجهة الدكان رقعة ( وكالة المبايعات الحكومية ) وتحتها اسم الوكيل ورقم اجازته الصادرة في الموصل . عندما تراقب الشرطة طوابير المواطنين في السوق او في محطة تعبئة المحروقات ( انذاك بيت الياس جيقا ) ، كانت تمسك بالعصي وتنهال ضربا على الناس لأتفه الاسباب ، او تدفع بصفائح النفط الفارغة ( التنكات ) التي يرصها الاهالي امام المحطة فيتعالى ضجيجها ، او تتحرش بالنساء والبنات ، ذلك كان حالنا لسنوات مديدة .

 

      تصور عزيزي القارئ حتى النزول الى المدينة كان ممنوعا في بعض السنين ، اتذكر عندما احتاج والدي النزول للبحث عن العمل في بغداد لم يسمح له فبتنا في ضيق وعوز ، حتى انفرجت بعد ان بعث احد اقربائنا من بغداد برقية عاجلة ، يطلب فيها بالاسم من والدي السفر الى بغداد للعمل ، وهكذا منح ورقة عدم التعرض ليجتاز بها السيطرات الحكومية . كانت اول سيطرة هي تلك المقابلة لمعسكر خيم حول ضريح المار قرداغ ، وفي احد الايام اطلق احدهم رصاصة على الصليب المرمري فوق الضريح فاسقط جزءه العلوي ، كانت نساء البلدة على الدوام يطلبن من الرب ان يشل تلك اليد التي طالت مقدساتهم . والسيطرة الاخرى الشديدة كانت في مدخل الموصل ( المجموعة ) ، كل يوم كانت الاغراض والمقتنبات الشخصية تبعثر فتخلط مع بعضها واخرى تسرق ، والتموين الذي يتجه الى بغداد ( البرغل مثلا ً ) كان يغرز في اكياسه قضيب حديدي للتاكد من خلوه من المواد الصلبة كالاسلحة ، اما الصور الشخصية فيتم التدقيق فيها ، واذا عثر على صورة لشخص يرتدي اللباس الكردي فيذهب جلده للدباغ . كانت اسرتي آنذاك مؤلفة من ثمانية أنفار ، والورقة التموينية لشهر كامل تسمح بالتزود بكيلوين سكر ، نصف وقية شاي ، كيلوين رز، 4 صوابين غسل ، و4 غالونات نفط ابيض ، اغلب الاشهر كانت الكمية تنفذ فنضطر للاستدانة من الاقرباء او الجيران .

 

    في احد تلك الايام كان المركز منشغلا ليواجه الهجوم المرتقب للثوارعليه ، يستعد في تعزيز مواقعه وعمل المتاريس المحصنة على السطح ، وجهز لهذا الغرض عدد كبير من الاكياس الصغيرة الكاكية اللون ، وكمية كبيرة ايضا من الرمل ، ثم ابتدأ  افراده بتعبئة تلك الاكياس ووضعها عل سطوح البناية التي كانت تشبه القلعة . احتاج الى ايدي عاملة بالمجان ( السخرة ) من ابناء البلدة ، ولذلك كان كل تعيس الحظ يمر  امام المركز او قربه في ذلك النهار ، تقتاده الشرطة ليعمل معهم في حمل كواني الرمل الثقيلة . غادر ميخا بيته ذات صباح شتوي ، ذلك الساكن قريبا من مركز الشرطة  كما نوهنا ، واحتياطا من المتاعب سلك طريق قريب من المركز ، وجلب انتباهه جمهرة امام البوابة ، ربما عرف ماذا يدور هناك ، او تصور شيء اخر، ولذلك عند وصوله السوق ، تحدث عن تلك الجلبة التي قال انهم  يوزعون بطاقات التموين ، اصغى احد الحضور لكلامه وكان حاملا كمية من اللحم والخضار وهو في طريقه الى البيت ، واعار اذنا صاغية ليلتقط كلمات ورقة التموين والتوزيع ، فاستفسر من المتكلم ، للتاكد مما يقوله ، فقال له شاهدت تجمع الاهالي قرب المركز ، اكبر الظن انها اوراق التموين . نظرا لحاجة صاحبنا الماسة اليها ترك مسواقه في احدى الدكاكين لفترة وجيزة حتى يعود ، وتوكل على الله وسلك الطريق العمودي المتصاعد الى موقع المركز في سفح الجبل ، وعندما وصل قريبا منه لمحه احد افراد الشرطة ، واسرع اليه يسحبه للعمل المجاني ، ويقول الشرطي " الله جابك ، جيت في وقتك " ومن يستطيع الممانعة او التذمر ، سوى ان تنهال عليه السياط ، او تركب كذبة عليه او افتراء بانه يتعاون مع ( العصاة ) فيذهب جلده للدباغ  ، عندما يشحن في حوض سيارة الشرطة المسلحة الى الموصل . بقي حتى العصر يحمـّل بالكواني الثقيلة من امام المركز الى فناءه ومن ثم يرتقي السلم الى السطح ، وهناك يرصها احد افراد الشرطة لتصبح سواتر ، وباشراف مباشر من مدير الناحية السيء الصيت سيروان الجاف . ظل صاحبنا في كل درج يرتقيه ، يشتم الرجل الذي قال انهم يوزعون بطاقات التموين ، ويلعن الساعة التي اوجدته في ذلك المكان . عندما عاد في العصر وهو منهك القوى ، منحني الظهر ، مبعثر الهندام ، فتش عن ميخا حتى يشفي غليله منه ، فلم يجده  واخذ مسواقه الى البيت التي كانت امراته تنتظر المواد للطبخ ، فحتى الطبخ لم يتم ذلك النهار في بيته . ربما كانت مزحة ثقيلة من ميخا ، حيث لا يخلو منها السوق في تلك الازمان الصعبة ، ولكنها مؤلمة في جانبها الاخر الذي يعتبر الانسان آلة بيد السلطات تستغلها كيفما تشاء لا بل تسومها العذاب ، بدل ان تسعدها وتخدمها كما تدعي رياءاً شعاراتها التي تملأ الواجهات .

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.