اخر الاخبار:
ارتفاع اسعار الدولار في بغداد واربيل - السبت, 28 كانون2/يناير 2023 11:00
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

كمال يلدو: وفاءاً لذكرى شهيد الصحافة بديترويت "نابليون بشـي"

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

كمال يلدو: وفاءاً لذكرى شهيد الصحافة بديترويت "نابليون بشـي"

 

  ها هي الحياة تطوي إثنين وثلاثين عاما منذ ان استفاقت ديترويت على تلك الجريمة النكراء في إغتيال الصحفي الوطني ـ القومي نابليون بشي ، ساعة بعد منتصف ليلة الحادي عشر من كانون ثاني ١٩٨٣. في تلك الليلة الباردة، سقط دم الشهيد الحار على الأرض مسجلا تأريخا جديدا في مواجهة الطغيان ومقارعته، والأستبسال بالتحدي ونذر الروح من اجل عدالة القضية الأنسانية التي ناضل لها، وليعلن مرة أخرى بأن كل مساحيق التجميل لم تنفع في تغطية جرائم البعث وصدام حسين منذ عقد الخمسينات من القرن المنصرم وصولا لذلك العام، ولعلهم ارادوا الأنتقام من كل من يعارضهم او ينتقد سياستهم ويفضح الاعيبهم، مرة بالدولارات وتارة بالتهديد والقتل. نعم لقد قتلوا "نابليون" لكنهم فشلوا في اذلال الجالية وتجييرها لهم، الا من بعض الأنتهازيين،  الذين باعوا ضمائرهم وقيمهم خوفا وخنوعا من البعث،او طمعاً بدولارات ملطخة بالدماء، لقد فشلوا ايما فشل!

تمت الجريمة في (المحل التجاري) الذي كانت تملكه العائلة، وليس في بناية جريدته (المشرق) او امامها، في محاولة يائسة لخلط الأوراق وجعلها تبدو وكأنها (سطو مسلح وسرقة Hold up).

****       ******       ******

البداية:

ولد نابليون حنا بشـي عام ١٩٣٧ في مدينة (تلكيف) التابعة لمحافظة نينوى، وتوفي شهيدا في كانون ثاني عام ١٩٨٣ بمدينة ديترويت الأمريكية، كان متزوجا من السيدة نجاة حسينو ـ بشي، ولهما ثلاثة أولاد وبنت واحدة، وبحساب الزمن يكون له الآن ٧ أحفاد.كان والده يعمل  (مدير محطة في السكك) ونتيجة لذلك فقد كانت العائلة تنتقل معه حيثما ينتقل عمله، وحينما بلغ نابليون الخامسة من عمره، انتقل والده من الموصل الى بغداد، فدخل مدارسها آنذاك  حتى  الثانوية في معهد اعداد المعلمين . أقبل على الزواج بعمر مبكر (١٩ عاما) وترك ذلك عليه مسؤولية ادارة العائلة، عمل رئيس قسم في وزارة الصحة، وساعدته تلك المهنة   اثناء خدمته الألزامية حيث لم يُنقل الى جبهات القتال بل بقي في بغداد، وبعد ان تسرح منها توجه للعمل في التصوير الفوتوغرافي وأفتتح (ستوديو المعرفة) في منطقة  الباب الشرقي ـ السعدون، ومع هذه المسؤوليات فأنه دائما ما كان يجد الوقت للقرأة والكتابة، لابل حتى الذهاب الى معهد تعليم اللغة الأنكليزية اسبوعيا، إذ انه كان يعشق العلم والمعرفة. إن ولعه بالكتابة دفعه منذ ايامه الأولى نحو التأليف، فطبع اربعة كتيبات صغيرة ضمنها الكثير من مشاعره الأنسانية ومشاهداته وكانت عناوينها كالآتي: (اليتيم، كسرة الخبز، الأعمى و الأرملة الدؤوب). بعدما ضاقت سبل العيش والتقدم امامه، عزم على مغادرة البلد والتوجه للولايات المتحدة التي وصلها في العام ١٩٧٣.  بدء يعمل مثل اي قادم جديد من اجل مؤازرة العائلة. في تلك الأثناء كانت تصدر في ديترويت جريدة اسبوعية اسمها (جريدة المشرق) لصاحبها السيد حنا يتوما، فصار يكتب بها حتى انتهى به الأمر الى شرائها، وفي هذه الحادثة يتذكر الصحفي الأستاذ فؤاد منا تلك الواقعة ويقول: " كنت في بناية (مجلة الهدف) حينما اتصل بي (المطران كوركيس كَرمو) وقال لي بالحرف الواحد : أبشرك يا فؤاد، بأن السيد نابليون قد اشترى جريدة المشرق، وهو يستحق كل المساعدة والمؤازرة من كل من لديه خبرة ودراية في الصحافة والعمل الصحفي". وهذا ما تم فعلا، يقول الأستاذ فؤاد، اذ عملت على مساعدته قدر الأمكان، رغم معرفتيبالعديد من الأخوة الذي آزروه بشكل جيد وأذكر منهم: (جورج جبوري، سليم صرافه،أفرام الريس، يوسف ناظر، د.نوري منصور، د.يعكوب منصور والمحامي بطرس منصور) وآخرين غيرهم.

 

حينما توجه الراحل نحو العمل الصحفي،  لم يخف موقفه المناهض  للحرب العراقية الأيرانية، ومن سياسة البعث وصدام حسين في قمع القوى اليسارية، وزادها أكثر حينما اقدم على تأميم ممتلكات ومدارس الكنيسة.  لقد كان خطه يساريا ومنحازا للناس وزاوجه بخط قومي (كلداني آشوري) معتدل حظي آنذاك بتقدير وعطف الكثيرين من ابناء الجالية الذين حرموا من التمتع بهويتهم القومية في وطنهم الأم العراق، وقد ادى ذلك الى اصطدامه مع بعض الأنتهازيين والمنتفعين من النظام البعثي (اشخاصا أو من المحسوبين على السلك الكنسي) فقام بفضحهم و كشف الاعيبهم .  انه لم يحمل السلاح او يدعو للقتل بل كان يأمل ان تقود العراق نخبة وطنية طيبة تأخذ البلد وناسه نحو التقدم والرقي. كان يكتب ويحتضن الكتاب الوطنيين، وهذه بعرفه (وعرف الكثيرين) هي اروع نعمة يحصل عليها المهاجر القادم من دول الحكومات الدكتاتورية، حينما يتمتع بقدر من حرية الكلام، وحماية القانون لها، وقد سمعها منه الكثيرون : (اني في بلد الحرية، ولي الحق أن اقول ما اريد)، والأكثر من ذلك كان إصراره حينما يسمع تهديداتهم: (اني لا أخافهم، وإن متُّ، فسأكون شهيدا للأمة الكلدانية وهذا اكبر فخر لي).

مع انشغالاته في جريدة المشرق (تصميم، تنضيد، استنساخ، كتابة، تنظيم المراسلة والبريد، وجمع الأعلانات) لكنه كان يجد الوقت ايضا للعمل الأجتماعي وخاصة في (مجالس الخورنة الكنسية)، والمشاركة في النشاطات الوطنية و القومية التي كانت تجري في ديترويت. ولعل العديد من ابناء الجالية يتذكرون مؤازرته لنشاطات نادي الشبيبة الكلداني  وإذاعتهم ، وموقفه الذي لا ينسى في طباعة جريدة الشبيبة ـ شمس الكلدان ـ بأجور رمزية تعبيرا عن تضامنه ومحبته لهم.

 

تقرير الشرطة:

نشرت صحيفة ( الديلي تربيون ـ مدينة هيزل بارك) تصريحا صحفيا للفتاننت ـ جيمس مك كاوـ من شرطة المدينة  سلط فيه الأضواء على الحادثة وقال:" لقد وجدنا الضحية (نابليون بشي ـ ٤٤ عاما) وقد فارق الحياة نتيجة تلقيه اطلاقة واحدة في منطقة الصدر ادت الى قتله في الحال، وذلك بعد منتصف ليلة الثلاثاء ،  في محله التجاري (نوبيل ماركيت) الواقع على شارع جان آر شمال الميل الثامن، وقد أدلى اثنان من الشهود بأقوالهم قائلين:  بأنهم شاهدوا شخصا ذا لحية حمراء وكان يعتمر قبعة في الرأس، وبعد مغادرتهما المحل، سمعا صوت طلقة واحدة، ثم خرج الجاني مسرعا اذ كانت هناك سيارة  شوفرليت موديل ١٩٧٧ زرقاء اللون بأنتظاره، ومضت في الشارع بأتجاه الشرق".

وفي نفس الوقت، فأن  اللفتاننت (مك كاو) كان قد التقى بأثنين من شخصيات الجالية المهمين والذين كانا على علاقة بالضحية وهما السيدان  أفرام الريس وعادل عقراوي، حيث أكدا بأن هذا الحادث لم يكن سطوا مسلحا، بل كان عملية اغتيال سياسي مدفوع من نظام صدام حسين في بغداد، وقد نفذ بأيادي مرتزقة بعثيين في الجالية، وذات الشئ أكده ابن الراحل (سام بشي ـ ٢٢ عاما)  اذ قال للشرطة بأن والده كان قد تلقى العديد من رسائل التهديد اما عبر التلفون او بشكل غير مباشر عبر أشخاص محسوبين على البعث، وذلك نتيجة مقالاته ومواقفه المناهضة لحكم البعث وسياسته.

على إن الأهم من كل ذلك كان ما صرح به أحد مسؤولي المخابرات  ـ السيد  Rice، والذي كان يتولى التجسس على الجالية من قبل ال FBI للمرحوم  أفرام الريس، من أن الخارجية الأمريكية تعلم بالأمر ، وتعرف هوية القاتل، لكنهم ليسوا الذين بمقام التضحية بعلاقاتهم مع صدام لأجل المرحوم نابليون بشي!

وذهبت صحيفة (ديترويت فري بريس في عددها ليوم ١٢ كانون ثاني ١٩٨٣) بالقول : ان هناك شكوكا كبيرة بكون الجريمة كانت سياسية وليست  جنائية صرفة، وذلك نتيجة لأستطلاع آراء  بعض أفراد العائلة وبعض زعامات الجالية وحتى من عامة الناس.

 

موقف الجالية من الجريمة:

مع ان الجالية العراقية / الكلدانية في ديترويت قد فقدت العديد من ابنائها نتيجة السطو المسلح على المحلات التجارية التي يملكونها أونتيجة للعنف  المستشري في المجتمع الأمريكي، الا ان جريمة اغتيال الراحل الصحفي  نابليون بشي،  قد نزلت عليهم مثل الصاعقة، وذكرّتهم مرة اخرى بمعنى الأرهاب بأبشع صوره، وهم الذين (على الأقل جزءا منهم) قد تركوا العراق للخلاص من تسلط البعث والحكومات الرجعية التي توالت على حكم العراق، وكانت الطامة الكبرى ان تحوم الشكوك حول (نفر) من المحسوبين على الجالية بولائهم الأعمى لصدام حسين او البعث، مع انهم تركوا العراق بأمل الخلاص منهم، لكن انتهازيتهم هي التي وضعتهم بهذا المقام. نعم لقد كانت صدمة كبيرة بقت آثارها لفترة غير قصيرة، على ان، الأهم من كل ذلك كان الموقف التضامني التي ابدته الجالية تجاه عائلة الفقيد وتجاه الحدث بصورة عامة، ان كان بحضور قداس الجنّاز او الذهاب للمقبرة او حضور مراسم الصلوات التي تلت ذلك، لابل انها لم تستكن او تخف من تهديداتهم، ومحاولاتهم في ارهاب الجالية وتركيعها بغية الأستفراد بها كما كانوا يفعلون مع الشعب العراقي، بالترغيب والترهيب. ولعل استمرار صدور صحافة المعارضة (صوت الأتحاد ـ جريدة الأتحاد الديمقراطي في ديترويت) وغيرها من النشريات، وأستمرار الفعاليات والمظاهرات والبيانات المناوئة لسياسة البعث  والحرب والأرهاب، ومصادرة حقوق الأقليات العراقية وخاصة منها (المسيحية) كان الرد المناسب على تلك الجريمة النكراء.

منظمات الجالية:

** بعد الحادث صدر بيان سياسي مهم لمعظم التنظيمات بديترويت استنكرت فيه هذه الفعلة الجبانة وأدانت نظام صدام، وطالبت بالكشف عن القتلة وتقديمهم للمحاكمة، وقد وقعه  كل من :

١) الأتحاد الآشوري العالمي ٢) الأتحاد الديمقراطي العراقي في أمريكا وكندا ٣)الرابطة الكلدوآشورية ٤)الجمعية الآشورية الكلدانية ٥)الحزب الديمقراطي الكردستاني فرع أمريكا وكندا ٦)رابطة الطلبة العراقيين في أمريكا وكندا ٧)حزب بيت نهرين الديمقراطي ٨)جمعية الطلبة الكردستانيين ٩)نادي المشرق الكلداني ١٠)النادي الآشوري الأمريكي ١١)مجموعة من المستقلين. كما أصدر نادي الشبيبة الكلداني بيانا أدان فيه الجريمة ايضا.

الأتحاد الديمقراطي العراقي:

احتفظ الأتحاد بعلاقات طيبة ومتميزة مع الراحل، وعبّر في كل المناسبات عن تضامنه مع (جريدة المشرق) ضد تهديدات المرتزقة، كما كان يدعو اعضاءه الى الكتابة في الجريدة والمساهمة بدعمها، ورغم ان جرائم البعث (العابرة للقارات) كانت معروفة لكل من كان منغمرا بالعمل المعارض، الا ان وصولها للولايات المتحدة كان أمرا مستغربا، خاصة بوجود المخابرات والأمن وحماية  القانون الأمريكي للمواطن وحريته. ومن المفارقات ان تحدث الجريمة في المخزن التجاري للراحل فيما (مركز) الأتحاد الديمقراطي لم يكن يبعد أكثر من مئتي ياردة من الموقع، وأن اعضاء الأتحاد كانوا موجودين في المكتب في تلك الساعة المتأخرة، وأنهم توجهوا للمحل بعد سماعهم صافرات سيارات الشرطة، ولم تمض تلك الليلة قبل ان يكون قد صدر بيان سياسي يندد بهذه الجريمة جرى توزيعه بكثافة في مركز تجمع الجالية العراقية، وعُقد العزم على تحويل ذلك الجناز، الى مظاهرة وطنية متضامنة مع العائلة ومستنكرة للجريمة، وجرى تهيئة كل المستلزمات بما فيها ضمان  (أمن) المشاركين إذ كان عليهم قطع ما لايقل عن (٣) كيلومترات ـ  بين بناية (كنيسة أم الله) ومقبرة (الضريح المقدس) في جو قارص بلغت فيه البرودة تحت الصفر بدرجات كثيرة. لقد كانت الحماسة كبيرة، وسار موكب النعش اولا، ومن ثم التضاهرة الراجلة وبعدها شريط السيارات للمعزين الذي وصلت بدايته للمقبرة، فيما نهايته كانت مازالت في ساحة الكنيسة بأنتظار الأنطلاق. تقدم حشد التظاهرة قادة الأتحاد الديمقراطي  ومن بينهم (المرحوم عادل عقراوي، جميل سلمو، صلاح كوري، عامر دادو، عامر جميل،أمير كساب، بدري معروف) والعشرات من اعضاء ومؤازري الأتحاد مع عوائلهم اضافة للعديد من ابناء الجالية الذين وجدوها فرصة للتعبير عن نقمتهم على جرائم البعث وصدام. لقد عبر الأتحاد الديمقراطي عن احترامه وتقديره لمشاعر العائلة الكريمة التي اصيبت بهذا المصاب، ولم يكن ليرغب أن يحملها أكثر من طاقتها، لكن المواقف تأتي مرة واحدة، ولم يكن من السليم ترك الأمور  وجعل الجاني يهنأ بجريمته وفعلته الخسيسة، ولعل التأريخ اللاحق كشف زيف  من كان يرفع صور صدام او يعلن مبايعته، فقد لفظتهم الجالية مرة بعد مرة حتى انتهوا وأنتهى معهم صدام الى مزبلة التأريخ، حينما كشفت الوقائع عن حجم ما اقترفته ايدي الأجرام بحق الشعب العراقي على مدى ٣٥ عاما من حكمهم الأسود، وكان الأسوء منه ما شهدته البلاد بعد انهيار دولة البعث ليستفيق العراق على اكبر الكوارث التي لعبت فيها بقايا البعث والقاعدة وكل ارهابيي العالم تدميرا وقتلا وتخريبا .

ولعل لمن يستعيد صور تلك الأيام وبعض تفاصيلها يذكر بعض الأنتهازيين  من امثال (جمعية ابناء الوطن الواحد)  الذين لعبوا دور حصان طروادة البعثي ،  أوالمرتزقة امثال القائم بالأعمال ـ حاتم حطاب ـ الذي هدد الجالية يوما وقال : (ان يد الثورة طويلة وتستطيع الوصول الى ديترويت)، فما كان من  الأتحاد الديمقراطي العراقي في ديترويت إلا رده بالقول : "إن يد الثورة إن وصلت الى ديترويت فسنقطعها"، وما من شك بأن مرتزقة ذلك الزمان قد عرفوا المعنى وأستلموا الرسالة جيدا، اقوالا مقرونة بالأفعال!

 

قالوا في نابليون:

مما لا شك فيه بأن شخصية اجتماعية محبوبة كشخصية الراحل، حتما  سيكون لها الكثير من الأصدقاء، ناهيك عن العائلة والأهل، لابل ان عمله الصحفي فتح له ابوابا كبيرة للأطلال على كل جوانب نشاطات الجالية  وأقامة افضل الصلات مع  كل الشرائح الأجتماعية والثقافية والسياسية والدينية، ولو اراد احد ان يستطلع عامة الجالية فهناك العشرات ان لم اقل المئات، لكني سأكتفي بهذه النخبة الطيبة، عسى ان تكون مرآة لأراء الآخرين ايضا:

١) السيدة نجاة حسينوـ بشي، زوجته تقول:كان انساناً ملئ بالمحبة والطيبة، يساعد الناس دوما، لابل انه كان يفضل المحتاجين حتى على أهله، لقد كان نعم الرجل، ولم أكن في حياته الا كالأميرات، هكذا كان يعاملني. أحب العلم والقرأة، وقد طبع (٤ كتيبات) ضمنها خواطر انسانية وهو ما زال شابا، اما في البيت فقد كان دائما ما يأخذ قصاصة من الورق، ويكتب بها ثم يدسها في جيبه، ويضحك ويقول مجيبا على استغرابي: انها افكار للجريدة!

أن اكثر اللحظات التي اشتاق لوجوده هي تلك التي يختلط فيها الفرح مع الحزن، فكم كنت اتمنى ان يكون معي  في حفل زفاف ابنائنا، او عشية ولادة أحد الأحفاد، فلقد عمل كثيرا حتى يكبر الأبناء، لكنه للأسف لم يعش حتى يفرح معهم!

٢) السيدة نوال بشي ـ هندو، ابنته: كيف تُلخص مأثرة الأب الجميل في سطور؟  بذكرياتها وسنيها العطرة، رغم مرور اكثر من ثلاثة عقود  منذ ذاك الرحيل، انها تعيش معنا ونتلمسها كل يوم بأخوتي والأحفاد، وبأبناء الجالية الكلدانية الذين يعتزون بك ويظهرونها لنا كلما عرفوا ان والدنا هو "نابليون" ، المدافع الأمين عن الكلدان.لقد كنت روحاً جميلة محبة للحياة والعطاء، ولو حاول قاتلك ان يُحدثك لدقائق لعدل عن فعلته وندم، اما لو كانت فعلته  بدافع العوز، لسامحتهُ!

قبلاتي لروحك يا أبي، فالروح الجميلة لا تموت.

٣) السيد وسام بشي، إبنه: كان "نابليون" رجلا عظيما، وأباً رائعاً، لقد علمّنا ونحن صغار كثيرا من القيم، ومازلنا أُمناء على وصاياه.  لقد كانت كل كتاباته  مليئة بالحرص على مصالح الجالية، ولم يضع يوما الربح  بديلا عن عمله، بل كان عمله الصحفي عبارة عن تجسيد لرسالته الأنسانية، وبالحقيقة فأني اتلمس روعة شخصيته وطيبتها في الناس الذين التقيهم، إذ ما أن عرفوا إني ابن نابليون حتى يحضنوني ويغرقوني بمحبتهم.

٤)السيد صباح بشـي، شقيقه:إني أعجز عن الحديث والتعبير عن حياة أخي الراحل "نابليون" الذي نال بحق لقب ـ شهيد الجالية ـ وهذا الصنف من البشر بالتأكيد ليسوا عاديين ابداً.  لقد نذر  ذاته  وقلمه وحياته من أجل الآخرين، ليس طمعا بالمال أو الجاه، وزادها، قوة ايمانه بمبادئه التي  منحته صلابة لا متناهية في مواجهة تهديدات المجرم صدام حسين وعصابته. كان انسانا يشعر بعظمة المسؤولية الأخلاقية تجاه عائلته وناسه، وأستحق ان تكون مراسيم الجناز واحدة لم يكن لها مثيلا قبله او بعده .أخيرا أقول: إن أخي المرحوم  هو حي في نفوس العائلة والأصدقاء والمعارف.

٥) السيدة برناديت بشي، شقيقته:كان ثمن قول كلمة الحق غاليا علينا حينما قدمنا "نابليون" قربانا لمذبح الشهداء، لقد كان مزهرية المحبة للعائلة، ومفتاح الحب والسعادة والأحترام، للصغار والكبار. كان سلاحه الأمضى هو الأيمان والتسامح ومساعدة البعيد والقريب، ولم يمانع ان يقدم نفسه من أجل الآخرين. عرفناه وطنيا مخلصا، وشجاعا في قول كلمته حينما يحتاج الموقف الى وضع النقاط على الحروف. نحبك للأبد!

٦) السيدة حمام بشي ـ بقال، شقيقته:إن ذكرى رحيله في كل عام تعني لي الكثير من التأمل في هذه الحياة. كان فارق العمر بيننا هو الذي منعنا ان نتعارف اكثر في طفولتي، لكن بعدما التقينا في ديترويت، صرت قريبة منه وعرفته اكثر، كان أخاً عظيما وشخصاً رائعاً، فبقدر ما احب عائلته، فقد أحب اخواته الصغيرات ايضا. لقد كانت حادثة فقدانه صدمة كبيرة لنا، إذ لم نتخيل ان يصل اجرام البعث وصدام الى هذه المدينة الآمنة، لكنه وبالرغم من ذلك فقد مات من اجل هدف سام، من اجل الناس، وقد كان رجلا بمعنى الكلمة إذ كان دائما ما يردد: (أنا لست خائفا منهم).

٧)الصحفي فؤاد منا: لقد كان الراحل انسانا مسالما، وطيب المعشر، ربطتني به أواصر المهنة الصحفية، اضافة للعلاقات الأجتماعية والصداقية آنذاك. ولم أدخر جهدا في تقديم اي نوع من المساعدة (المهنية) التي كان يحتاجها، وساهمت بالكتابة في جريدته الغراء، لابل كنت ادعو  كتاب الجالية للكتابة عنده ومؤازرته. وفي ساعات الشدة، كنت اقدم له الدعم المعنوي في الصمود تجاه تهديدات المرتزقة.

٨) د.نوري منصور: لاشك إن هذه الذكرى تعني التذكير بشخصية صحفية وطنية كلدانية عراقية،  إنضم الى قافلة شهداء الكلمة الحرة، لمواقفه الوطنية والقومية، ودفاعا عن حقوق المواطنين المشروعة، فأغتاله عملاء الطاغية صدام حسين، بغية إسكات صوته في المهجر الأمريكي. لقد كان المرحوم صديقا وفيا ومحبوبا، ويشرفنا أن نكون قد زاملناه وساهمنا معه في تحرير بعض المواضيع في جريدته الغراء (المشرق) ولمدة طويلة.

الذكر الطيب للشخصية الوطنية المرحوم نابليون بشي.

٩)السيد جيكوب بقال، صهر الراحل:  كان "نابليون" انسانا وطنيا بإمتياز، وغيورا على ابناء بلده  وقوميته ، شجاعا لا يهاب الموت، ومؤمنا بما يكتبه، ومخلصا لرسالته  في وحدة كلمة (الكلدان والآشوريين والسريان). وطالما قال ، بأن أمريكا اصبحت وطنه الثاني، وأنه صار يتنفس الحرية هنا (بعد ان كانت مكبوتة في العراق)، لهذا أحب هذه البلاد التي منحته تلك الحرية.

١٠) كمال يلدو: كانت محاسن الصدف تلك التي جمعت محل سكني وبناية مطبعة (جريدة المشرق) في شارع (رووبن  هود ـ في منطقة الميل السابع) وكنت أكنّ كل الأحترام لشخصية الراحل ، وحجم المسؤولية  التي يتحملها في الكتابة والنشر، والجرأة  والصلابة المبدئية عنده، الا ان اروع اللحظات كانت تلك التي  جمعتني به عن طريق الأعزاء د.نوري منصور و د. يعكوب منصور وبعد ان تم التعارف، اقترحتُ ان اقدم له بعض اخبار الحركة الطلابية العراقية للنشر، فزادها بالكلام قائلا: "سأمنحكم صفحة في  الجريدة وما عليكم الا تزويدي بالمواد" وهكذا ظهرت ـ صوت الطلبة ـ بأسم رابطة الطلبة العراقيين فرع اتحاد الطلبة العام. لقد كان موقفا مشرفا  منه.

١١)أفرد د.فائق بطي  عدة صفحات من كتابه الموسوم "الصحافة العراقية في المنفى" ليتحدث فيهاعن سيرة الراحل  ونهج جريدة المشرق مع نبذة من تأريخها مابين  الصفحة ٣٠٣ ـ ٣٠٧ ،وليضمها الى جانب كل الصحف والمجلات التي اصدرها العراقيون خارج وطنهم في السنين التي خلت، وأُعاد نشر  آخر مقالة كتبها الراحل  والمؤرخة في ٦/كانون ثان ١٩٨٣ إذ جاء فيها: "... من جديد راحت الرجعية وأعداء شعبنا يعيدون خططهم وكلها موجهة تهدف الى ضرب وحدة الجالية ....تسميات بالجملة خلقها المرتزقة وخدام البعث...هذا تلكيفي...وذاك آثوري.. والآخر ألقوشي أو ارادلي ...افكار مسمومة يشيعها بعض النفر الضال لزرع بذور الفتنة والتفرقة بين ابناء الجالية الواحدة.

وقد يسألني القارئ الكريم، من المسؤول عن تعبئة هذه النفوس المريضة؟الجواب، إن ما حدث بعد فشل مظاهرة البيعة والولاء الصدامية قد أدى الى تحرك جديد مشلول لعبيد النظام القائم في العراق، هذا التحرك غذته الدائرة الحزبية من ناحية، وباركه بعض المرتزقة من خونة شعبنا من ناحية أخرى. ولعل أكثر ما يزيد من قلق أسرة المشرق، إن بعض هؤلاء الأفراد الذين ابتلت بهم الجالية وصلوا في تحركهم المشبوه هذا الى دور العبادة ومراكز تجمع منظماتنا وجمعياتنا المتواجدة على ساحة العمل ....".

 

الخاتمة:

هي ذي الأيام تمضي سريعة،  ونشهد فيها الحسن والردئ.  انظمة كثيرة تغيرت، وقادة وزعماء كثر قد ازيحوا، الا ان جرح العراق الكبير مازال ينزف دما وجرائم وضحايا  رغم مرور كل تلك السنين، بين عنجهية من كان يسير في فلك الدكتاتور صدام، او من خلفوه في الحكم، وكانوا خير نتاج لنظامه البائس، فأتوا بالفساد والسرقة والتزوير والطائفية البغيضة، وصولا لحكم الميليشيات ، وقادة الجريمة الكبرى( داعش). نعم ان المشهد مؤلم، والوحيدون الذين يدفعون الفاتورة هم الناس الأبرياء، وليس ابناء الحكام والسلاطين وعوائلهم!  لكن  يبقى هناك أمر بحاجة الى حل: إن من قام بالجريمة إما يكون واحدا (من الجالية) او غريبا  وقد ساعده بجريمته احد من الجالية، فهل ستستفيق الضمائر يوما وتكشف المجرم الحقيقي ؟ وهل في الأفق  من ينظر الى غسل الضمائر والعفو، ام إن الأمر بعيد عن الرغبة والأمل؟

ولعلي هنا اطرح فكرة ان تضيف جاليتنا قدرا جديدا لطيبتها حينما تكّرم ابناءها وبناتها المتميزات، وفي الحديث عن الراحل نابليون، فما المانع ان تســمى واحدة من غرف او قاعات انديتنا الأجتماعية بأسمه، او غرفة من غرف الصحف والمجلات الكثيرة الموجودة عندنا. أرفعه لكم ايها الأحبة، لأن حكوماتنا الرشيدة مشغولة كثيرا ونحن أولى من يحتفل بمبدعيه!

** أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعدني في اتمام هذه المقالة، وأخص منهم السيد جيكوب بقال (أيوب بقال) الذي فتح خزائن الذاكرة والوثائق والصحف والصور القديمة.

 

** الذكر الطيب لأول شهيد للصحافة المهجرية الراحل نابليون بشي

** المواساة لعائلته الكريمة، زوجة وأبناء وأخوة وأخوات وأهل وأقرباء

** الذكر الطيب لكل شهداء العراق وفي المقدمة منهم شهداء الكلمة والفكر الوطني الحر

** الخزي والعار للمجرمين القتلة، ولكل من يتستر عليهم.

 

كمال يلدو

 

كانون ثان ٢٠١٥

 

 

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.