اخر الاخبار:
العراق يسعف لبنان بالوقود والقمح - الأربعاء, 05 آب/أغسطس 2020 20:42
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

مِن حوارٍ معها (الجزء التاسع والعشرين)// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

مِن حوارٍ معها (الجزء التاسع والعشرين)

د. سمير محمد ايوب

الاردن

 

البوابات والعتبات

إتصلت بي عبر جوالي. إبتدأت قولها بالإعتذار، لإقتحامها شيئا من خصوصيتي في ذلك الوقت ألمبكر من النهار. وإستأذنَتْ في أن تُواصِل حديثها معي بإسم الغورانية (نسبة إلى غور الأردن) دون أن تُفْصح عن إسمها الحقيقي. رحبتُ بها مُتفهما، وراضيا بالإستماع والإنصات لما ستتفضل به.

 

قدمَت نفسها على أنها سيدةٌ تُطل حثيثا على الخمسين من عمرها. لم يتجاوز تحصيلها العلمي حواف الثانوية العامة. من عشيرة تعمل في فلاحة وزراعة ألأرض، حول ضفتي نهر الأردن. وأضافت أنها تعرفني جيدا، من خلال متابعتها لِما أكتب من أمد طويل.

 

ثم تابَعَت، مُلقية بِحِملها من أسئلة باحثة عن إجابات: هل حُبُّ الرجالِ المتعلمين أو المثقفين، مقتصرٌ على مَنْ نِلْنَ حظاًّ مُتقدما من العلم أو ألثقافة؟ ولِمَ لا يُعلِن ويمارس بعض الرجال حبهم لشريكاتهم، إلا بعد فوات ألأوان؟ ما الذي يوصلهم إلى الجفاف العاطفي والتصحر فيه؟ أهو ألإستغراق في العمل، أو مقتضيات الوقار، أم تبعات الكبرياء أم الجهل أم اللامبالاة، أم ماذا....؟ 

 

كنت على وشك الخروج من البيت، لموعد مسبق، إستأذنتها ووعدتها ان أبدي رأيا، عبر نصٍّ أحاول الإقتراب من خلاله، من بعض ما سألَتْ وهو كثير. فالحب رزق من الله، عابرٌ لِلأعمار ولِلثقافات والتحصيل العلمي. ولكن، لِلإستمتاع به ملكاتٌ ومهاراتٌ كثيرةٌ مُتشابكة وشائكة.

 

إتصلتُ بها بعد قيلولتي. وقصصت عليها الحكايةَ التالية، جوابا على بعض ما سألَت، لعل دلالاتُ الحكايةِ، تُفيدها في توضيحِ بعض المساءل.

 

تقولُ الحكايةُ: أن زوجا ثريا نال حظا موفورا من العلم، طاف جُلَّ أرجاء العالم وحده. دون أن يخطر بباله أخذ زوجته معه. وبعد خمس سنين من الزواج الرَّضِيِّ ألهَنِيِّ، في إحدى زيارات أخٍ للزوجة، تَرويحاً لها كما يفعل كلما زارها، أخذها في جولةٍ في سيارته، دار بها حول مطار المدينة. عندما شاهدت الطائرات الرابضة في أرض المطار، وتلك المُقْلِعة منه والهابطة فيه، تمنت أن تركبَ ذات يوم الطائرة التي يركبها زوجها ويسافر فيها.

 

بعد موافقة الزوج، إصطحبها أخوها في رحلة جوية إلى مدينة العقبة. وصلت ليلا أجمل فنادقها. بعد إستقرارها في غرفتها ألمطلة على شاطئ البحر المواجه لمدينة أم الرشراش في فلسطين المحتلة، لم تنم قبل أن تتصل بزوجها، وأخذت تثرثر ساعة معه. بداية عن الطائره. وصفت له مداخلها، مقاعدها وأضواءها، وكيف طارت في الفضاء. وصفت له بدهشة وفرح، وزوجها منصتا لها متعجباً مستغربا. ولم تكد تنتهي من وصف الطائرة حتى إستأذنته للنوم، إستعدادا للتمشي المبكرعلى شاطئ البحر ، كما وعدها أخوها.

 

فور عودتها من العقبة إلى بيتها في ضواحي مدينة الزرقاء، والسلام على زوجها ، إبتدأت كطفلة فرحة بدهشتها، تصف لزوجها بحر العقبة، ألذي رأته لأول مرة في حياتها. أول مرة تجلس على شط بحر. وأول مرة ترى عن قرب موجا عاتيا يلاطم موجا مستكينا. ولأول مرة تغمس يديها وقدميها في ماء البحر. ذاقت ماء البحر فإذا به مالح. رأت البحر في الليل وكان اسودا، وراته في النهار فإذا به أزرقا. رأيت السمك يقترب كثيرا من الشاطئ. رأيت الأطفال يبنون بيوتا وجبالا من الرمل. ولولا ألحياء لبنيتُ لي بيتاً على شاطئ ذاك البحر.

 

إنتبهت فجأة إلى أنها قد نسيت شيئا، فصاحت بدهشة: يووووه نسيتُ يا حبيبي. ونهضَت بسرعة. وأحضرت حقيبتها ونثرتها. وأخرجت منها زجاجة من العطر الرجالي الفاخر، وقدمتها له، وكأنها تقدم الدنيا، وهي تقول: هذه هديتي لك.

 

كادت الدمعة أن تقفز من عيني الزوج ألذي طاف الدنيا، ولم يحضر لها مرة هديــة. ركب معظم خطوط الطيران في العالم ولم يأخذها ولو مرة معه، لأنها في اعتقاده جاهلة، لا تقرأ ولا تكتب. فما حاجتها إلى الدنيا وإلى السفر. ونسي أنها إنســـــانة أولاً وأخيراً. وها هي إنسانيتها تشرق الآن أمامه، وتتغلغل في قلبه. وها هي تحضر له بعد سفرة وحيدة يتمية هدية ولا تنساه. هدية تساوي كل كَرَمِه المالي ألذي كان يُغْدِقه عليها.

 

أحس بالشجن وبالألم يعصر قلبه. وهو يرى التي شاركته حياته منذ سنين، كأنما ترى الدنيا أول مرة. ولم يخطر ببالها يوماً، أن تقول له إصحبني معك. أحس بالذنــــب . فرفع يده إلى عينيه يواري دمعة لاتكاد تَبين. وقال لها كما لم يَقُلْ من قبل: أُحِبُّك. قالها من كل قلبه وروحه.

 

توقفت يداها عن تقليب الحقيبة. وتوقفت شفتاها عن الثرثرة. وأحست أنها دخلت في رحلة أخرى، أعجب من العقبة ومن بحرها ومن الطائرة وألذ....!!! رحلة حب جديد، إبتدأ بعد خمس سنين زواج. رحلة عفوية جديده، بوابتها زجاجة عطر،  وعتبتها بوحٌ صادق. فاحتضنا بعضهما باكيان بفرحٍ لذيذٍ.

 

الاردن – 14/11/2017

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.